المقريزي

446

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

على كل ركن ، وجه شيطان ، وجعلها على عمود يديرها ، فكان العقاب يدور إلى الجهات ، فيقيم في كل جهة ربع السنة ، فلما تمّ ذلك نقل إلى المدينة الأموال والجواهر التي بمصر من عهد الملوك ، والتماثيل والحكم ، وتراب الفضة والعقاقير والسلاح ، وحوّل إليها كبار السحرة والكهنة ، وأصحاب الصنائع ، والتجار وقسم المساكن بينهم ، فلا يختلط أهل صناعة بسواهم وعمل بها ربضا « 1 » لأصحاب المهن والزراعة ، وعقد على تلك الأنهار قناطر يمشي عليها الداخل إلى المدينة ، وجعل الماء يدور حول الربض ، ونصب عليها أعلاما وحرسا ، ثم غرس وراء ذلك مما يتصل بالبرية النخل والكرم ، وجميع أصناف الشجر على أقسام مقسومة ، ومن وراء ذلك كله مزارع الغلات من كل جهة ، كل ذلك خوفا من الوليد . قال : وبين هذه المدينة ، وبين منف ثلاثة أيام ، وكان يقيم فيها ويخرج إليها ، ثم يعود إلى منف وكان لها أربعة أعياد في السنة ، وهي : الأوقات التي يتحوّل العقاب فيها ، فلما تمّ لعون ذلك ، اطمأنّ قلبه ، إلى أن وافى إليه كتاب الوليد من النوبة يأمره بحمل الأزواد ، ونصب الأسواق ، فوجه إليه في البرّ والبحر ، بما أراد وحوّل أهله ومن اصطفاه من بنات الملوك والكبراء إلى المدينة . فلما قرب الوليد ، خرج إليها وتحصن فيها ، واستخلف على منف ، فقدم الوليد ، وقد سمع ما فعله عون ، فغضب ، وهمّ أن يبعث إليه جيشا ، فعرّف بخبر المدينة ومنعتها ، وخبر السحرة ، فكتب إليه أن يقدم عليه ، ويحذره عاقبة التخلف ، فأجابه ما على الملك مني مؤنة ولا تعرّض ، ولا عيب في بلده لأني عبده ، وأنا له ردء في هذا المكان من كل عدوّ يأتيه من الغرب ، ولا أقدر على المسير إليه لخوفي منه ، فليقرّني الملك بحالي كأحد عماله ، وأوجه إليه ما يلزمني من خراجه وهداياه ، وبعث إليه بأموال جليلة ، وجوهر نفيس ، فكف عنه ، وأقام الوليد بمصر حتى مات . ذكر مدينة الفيوم « 2 » اعلم : أن موضع الفيوم كان مغيض ماء النيل ، فلما ولي السيد يوسف الصدّيق عليه السلام تدبير ، أمور مصر عمّرها . قال ابن وصيف شاه : ثم ملك الريان بن الوليد ، وهو فرعون وسف ، والقبط تسميه : نهر أوش ، فجلس على سرير الملك ، وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا متمكنا ، فوعد بالجميل ، وأسقط عن الناس خراج ثلاث سنين ، وفرّق المال في الخاص والعامّ .

--> ( 1 ) الربض : الناحية المسوّرة . ( 2 ) الفيوم : مدينة بمصر وهي ولاية غربية بينها وبين الفسطاط أربعة أيام بينهما مفازة لا ماء فيها ، وقيل : إن سيدنا يوسف عليه السلام حفر نهرا عظيما حتى ساقه إلى الفيوم . معجم البلدان ج 4 / 286 .