المقريزي
44
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
خط المصاحف إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي اللّه عنه ، وقال مجاهد وغيره : من صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين ، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية ، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه ، وقالت طائفة ممن صرفها : أراد مصر فرعون بعينها واستدلوا بما في القرآن أن اللّه تعالى أورث بني إسرائيل ديار فرعون وآثاره ، وأجازوا صرفها . قال الأخفش : لخفتها وشبهها بهند ودعد ، وسيبويه لا يجير هذا . وقال غير الأخفش : أراد المكان فصرف . وقرأ الحسن وأبان بن ثعلب وغيرهما : اهبطوا مصر بترك الصرف ؛ وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب . وقال : هي مصر فرعون . قال الأعمش « 1 » : هي مصر التي عليها صالح بن علي ، وقال أشهب : قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ، قال تعالى : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [ يوسف / 99 ] . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن فرقد الشيخي . قال : خرج يوسف عليه السلام يتلقى يعقوب عليه السلام ، وركب أهل مصر مع يوسف ، وكانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من ولده يقال له : يهوذا فنظر يعقوب إلى الخيل ، وإلى الناس ، فقال : يا يهوذا هذا فرعون مصر ؟ قال : لا ، هذا ابنك فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه قال يعقوب عليه السلام : عليك يا ذاهب الأحزان عني . هكذا قال : يا ذاهب الأحزان عني . وقال تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [ يونس / 87 ] . قال الطبري « 2 » عن ابن عباس وغيره : كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون ، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها . قال قتادة : وذلك حين منعهم فرعون الصلاة فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم وأن يوجهوا نحو القبلة ، وعن مجاهد : بيوتكم قبلة قال : نحو الكعبة حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرّا ، وعن مجاهد في قوله : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [ يونس / 87 ] قال : مصر : الإسكندرية . وقال تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الزخرف / 51 ] . قال ابن عبد الحكم ، وأبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس ، وغيرهما عن أبي رهم السماعي أنه قال في قوله تعالى : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف / 51 ] قال : ولم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من
--> ( 1 ) هو سليمان بن مهران الأسدي الملقب بالأعمش ، تابعي مشهور كان عالما بالقرآن والحديث والفرائض . ولد سنة 61 ه وتوفي سنة 154 ه . الأعلام ج 3 / 135 . ( 2 ) هو محمد بن جرير الطبري المؤرخ المفسر الإمام . ولد بآمد سنة 224 ه واستوطن بغداد عرض عليه القضاء فامتنع . له عدة مؤلفات بالتفسير والفقه وهو من ثقات المؤرخين وهو صاحب التاريخ المشهور به ، توفي سنة 310 ه . الأعلام ج 6 / 69 .