المقريزي

427

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

بجوار ماء ، فغسلت مريم من ذلك الماء ثياب المسيح ، وقد اتسخت ، وصبت غسالتها بتلك الأراضي ، فأنبت اللّه هنالك البلسان ، وكان إذ ذاك بالأردن ، فانقطع من هناك ، وبقي بهذه الأرض ، وغمرت هذه البئر التي هي الآن موجودة هناك على ذلك الماء الذي غسلت منه مريم ، وبلغني أنها إلى الآن إذا اعتبرت يوجد ماؤها عينا جارية في أسفلها ، فهذا سبب تعظيم النصارى لهذه البئر وللبلسان ، فإنه إنما سقي منها ، واللّه أعلم . المنصورة « 1 » هذه البلدة على رأس بحر أشموم تجاه ناحية طلخا « 2 » بناها : السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ، في سنة ست عشرة وستمائة عندما ملك الفرنج ، مدينة دمياط ، فنزل في موضع هذه البلدة ، وخيم به ، وبنى قصرا لسكناه ، وأمر من معه من الأمراء والعساكر بالبناء ، فبنى هناك عدّة دور ونصبت الأسواق وأدار عليها سورا مما يلي البحر ، وستره بالآلات الحربية والستائر ، وتسمى هذه المنزلة المنصورة ، ولم يزل بها حتى استرجع مدينة دمياط ، كما تقدّم ذكره عند ذكر مدينة دمياط من كتابنا هذا ، فصارت مدينة كبيرة بها الحمامات والفنادق والأسواق ، ولما استنقذ الملك الكامل دمياط من الفرنج ، ورحل الفرنج إلى بلادهم جلس بقصره في المنصورة وبين يديه إخوته الملك المعظم عيسى صاحب دمشق ، والملك الأشرف موسى صاحب بلاد الشرق وغيرهما من أهله ، وخواصه ، فأمر الملك الأشرف جاريته ، فغنت على عودها : ولما طغى فرعون عكا وقومه * وجاء إلى مصر ليفسد في الأرض أتى نحوهم موسى وفي يده العصا * فأغرقهم في اليم بعضا على بعض فطرب الأشرف ، وقال لها : بالله كرّري ، فشق ذلك على الملك الكامل ، وأسكتها ، وقال لجاريته : غني أنت فأخذت العود ، وغنت : أيا أهل دين الكفرة قوموا لتنظروا * لما قد جرى في وقتنا وتجدّدا أعباد عيسى إن عيسى وحزبه * وموسى جميعا ينصران محمدا وهذا البيت من قصيدة لشرف الدين بن حبارة أوّلها : ( أبى الوجد إلا أن أبيت مسهدا ) فأعجب ذلك الملك الكامل ، وأمر لكل من الجاريتين ، بخمسمائة دينار ، فنهض القاضي الصدر الأجل الرئيس هبة اللّه بن محاسن قاضي غزة وكان من جملة الجلساء على قدميه وأنشد يقول :

--> ( 1 ) المنصورة : مدينة بين دمياط والقاهرة أنشأها الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب سنة 616 ه ليرابط فيها في مواجهة الإفرنج . معجم البلدان ج 5 / 212 . ( 2 ) طلخا : موضع بمصر على النيل المفضي إلى دمياط وفي معجم البلدان كتبت طلخاء . الأعلام ج 4 / 38 .