المقريزي
412
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
في يوم الاثنين المذكور ، وترك على الشط ثلاثة أيام ، ثم دفن . ولما قتل الملك المعظم ، اتفق أهل الدولة ، على إقامة شجرة الدر ، والدة خليل في مملكة مصر ، وأن يكون مقدّم العسكر الأمير عز الدين « 1 » أيبك التركمانيّ الصالحيّ ، وحلف الكل على ذلك ، وسيروا إليها عز الدين الروميّ ، فقدم عليها في قلعة الجبل ، وأعلمها بما اتفق فرضيت به ، وكتبت على التواقيع علامتها ، وهي والدة خليل ، وخطب لها على المنابر بمصر والقاهرة ، وجرى الحديث مع الملك روادفرنس في تسليم دمياط ، وتولى مفاوضته في ذلك الأمير حسام الدين بن أبي عليّ الهديانيّ ، فأجاب إلى تسليمها ، وأن يخلى عنه بعد محاورات ، وسير إلى الفرنج بدمياط يأمرهم بتسليمها إلى المسلمين ، فسلموها بعد جهد جهيد من كثرة المراجعات في يوم الجمعة ثالث صفر ، ورفع العلم السلطانيّ على سورها ، وأعلن فيها بكلمة الإسلام ، وشهادة الحق بعد ما أقامت بيد الفرنج ، أحد عشر شهرا وسبعة أيام ، وأفرج عن الملك روادفرنس ، وعن أخيه ، وزوجته ، ومن بقي من أصحابه إلى البرّ الغربيّ ، وركبوا البحر من الغد ، وهو يوم السبت رابع صفر ، وأقلعوا إلى عكا . وفي هذه النوبة يقول الوزير جمال الدين يحيى بن مطروح : قل للفرنسيس إذا جئته * مقال نصح عن قؤول نصيح آجرك اللّه على ما جرى * من قبل عباد يسوع المسيح أتيت مصر تبتغي ملكها * تحسب أنّ الزمر يا طبل ريح فساقك الحين إلى أدهم * ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابك أودعتهم * بحسن تدبيرك بطن الضريح خمسون ألفا لا يرى منهم * إلا قتيل أو أسير جريح وفقك اللّه لأمثالها * لعلّ عيسى منكم يستريح إن كان بابا كم بذار راضيا * فرب غشّ قد أتى من نصيح قل لهم أن أضمروا عودة * لأخذ ثأر أو لنقد صحيح دار ابن لقمان على حالها * والقيد باق والطواشي صبيح وقدّر اللّه أن الفرنسيس هذا بعد خلاصه من هذه الوقعة جمع عدّة جموع ، وقصد يونس ، فقال شاب من أهلها يقال له أحمد بن إسماعيل الزيات : يا فرنسيس هذه أخت مصر * فتأهب لما إليه تصير لك فيها دار ابن لقمان قبر * وطواشيك منكر ونكير
--> ( 1 ) كان مملوكا للصالح نجم الدين أيوب ثم أعتقه وصار من جملة أمرائه مقدما للعساكر بعد مقتل توران شاه . تزوج بشجرة الدر فنزلت له عن الملك سنة 648 ه وتلقب بالملك المعز وأصبح أول سلاطين المماليك البحرية في مصر والشام . الأعلام ج 2 / 33 .