المقريزي

404

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ملكت دمياط بأيدي المسلمين ، فإنها لو قدمت قبل ذلك لقوى بها الفرنج ، فإنّ المسلمين وجدوا مدينة دمياط ، قد حصنها الفرنج ، وصارت بحيث لا ترام ، ولما تمّ الأمر بعث الفرنج بولد السلطان ، وأمرائه إليه ، وسيّر إليهم السلطان من كان عنده من الملوك في الرهن ، وتقرّرت الهدنة بين الفرنج والمسلمين ، مدّة ثماني سنين ، وكان مما وقع الصلح عليه أن كلا من المسلمين والفرنج يطلق ما عنده من الأسرى ، وحلف السلطان وإخوته ، وحلفت ملوك الفرنج ، وتفرّق الناس إلى بلادهم . ودخل الملك الكامل إلى دمياط بإخوته وعساكره ، وكان يوم دخوله إليها من الأيام المذكورة ورحل الفرنج إلى بلادهم ، وعاد السلطان إلى مقرّ ملكه ، وأطلقت الأسرى من ديار مصر ، وكان فيهم من له من أيام السلطان صلاح الدين يوسف ، وسارت ملوك الشام بعساكرها إلى بلادها ، وعمت بشارة أخذ المسلمين مدينة دمياط من الفرنج ، سائر الآفاق ، فإنّ التتر كانوا قد استولوا على ممالك المشرق ، فأشرف الفرنج على أخذ ديار مصر من أيدي المسلمين ، وكانت مدّة نزول الفرنج على دمياط إلى أن أقلعوا عنها سائرين إلى بلادهم ، ثلاث سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما منها مدّة استيلائهم على مدينة دمياط سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرون يوما . فلما كان في سنة ست وأربعين وستمائة حدث بالسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ، محمد ورم في مأبضه تكوّن منه ، ناصور فتح وعسر برؤه ، فمرض من ذلك ، وانضاف إليه قرحة في الصدر ، فلزم الفراش إلا أنّ علوّ همته اقتضى مسيره من ديار مصر إلى الشام فسار في محفة ، ونزل بقلعة دمشق ، فورد عليه رسول الإمبراطور ملك الفرنج الألمانية بجزيرة صقلية في هيئة تاجر ، وأخبره سرّا بأن بواش الذي يقال له : رواد فرنس ، عازم على المسير إلى أرض مصر ، وأخذها فسار السلطان من دمشق ، وهو مريض في محفة ، ونزل بأشموم طناح في المحرّم سنة سبع وأربعين ، وجمع في مدينة دمياط من الأقوات والأزواد والأسلحة وآلات القتال شيئا كثيرا خوفا أن يجري على دمياط ما جرى في أيام أبيه ، فأخذت بغير ذلك . ولما نزل السلطان ، بأشموم كتب إلى الأمير حسام الدين أبي عليّ بن عليّ الهديانيّ ، نائبه بديار مصر ، أن يجهز الأسطول من صناعة مصر ، فشرع في الاهتمام بذلك وشحن الأسطول بالرجال والسلاح ، وسائر ما يحتاج إليه وسيره شيئا بعد شيء ، وجهز السلطان الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ ، ومعه الأمراء والعساكر ، فنزل بحيرة دمياط من برّها الغربيّ ، وصار النيل بينه وبينها ، فلما كان في الساعة الثانية من نهار الجمعة لتسع بقين من صفر وردت مراكب الفرنج البحريين فيها جموعهم العظيمة وقد انضم إليهم فرنج الساحل وأرسوا بإزاء المسلمين .