المقريزي

391

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وأخذوا منهم مركبا ، وقتلوا من فيه وأسروا عشرة . وقال اليعقوبيّ « 1 » : الفرما ، أوّل مدن مصر من جهة الشمال ، وبها أخلاط من الناس ، وبينها وبين البحر الأخضر ، ثلاثة أميال . وقال ابن الكنديّ : ومنها الفرما ، وهي أكثر عجائب ، وأقدم آثارا ، ويذكر أهل مصر : أنه كان منها طريق إلى جزيرة قبرس في البرّ ، فغلب عليها البحر ، ويقولون : إنه كان فيما غلب عليه البحر مقطع الرخام الأبلق ، وإنّ مقطع الأبيض بلوبية . وقال يحيى بن عثمان : كنت أرابط في الفرما ، وكان بينها وبين البحر قريب من يوم يخرج الناس والمرابطون في أخصاص على الساحل ، ثم علا البحر على ذلك كله . وقال ابن قديد : وجّه ابن المدبر ، وكان بتنيس ، إلى الفرما في هدم أبواب من حجارة شرقيّ الحصن ، احتاج أن يعمل منها جيرا ، فلما قلع منها حجر ، أو حجران ، خرج أهل الفرما بالسلاح ، فمنعوا من قلعها ، وقالوا : هذه الأبواب التي قال اللّه فيها على لسان يعقوب عليه السلام : يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [ يوسف / 67 ] والفرما بها النخل العجيب الذي يثمر حين ينقطع البسر والرطب من سائر الدنيا ، فيبتدىء هذا الرطب من حين يلد النخل في الكوانين ، فلا ينقطع أربعة أشهر ، حتى يجيء البلح في الربيع ، وهذا لا يوجد في بلد من البلدان لا بالبصرة ولا بالحجاز ولا باليمن ، ولا بغيرها من البلدان ، ويكون في هذا البسر ، ما وزن البسرة الواحدة فوق العشرين درهما ، وفيه ما طول البسرة نحو الشبر والفتر . وقال ابن المأمون البطائحي في حوادث سنة تسع وخمسمائة : ووصلت النجابون من والي الشرقية تخبر بأنّ بغدوين ملك الفرنج ، وصل إلى أعمال الفرما ، فسيّر الأفضل بن أمير الجيوش للوقت إلى والي الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين بها ، وسيّر الراجل من العطوفية ، وأن يسير الوالي بنفسه بعد أن يتقدّم إلى العربان بأسرهم بأن يكونوا في الطوالع ، ويطاردوا الفرنج ، ويشارفوهم بالليل قبل وصول العساكر إليه ، فاعتمد ذلك ، ثم أمر بإخراج الخيام ، وتجهيز الأصحاب والحواشي ، فلما تواصلت العساكر وتقدّمها العربان ، وطاردوا الفرنج ، وعلم بغدوين ملك الفرنج أنّ العساكر متواصلة إليه ، وتحقق أن الإقامة لا تمكنه أمر أصحابه بالنهب والتخريب والإحراق وهدم المساجد ، فأحرق جامعها ومساجدها وجميع البلد ، وعزم على الرحيل ، فأخذه اللّه سبحانه وتعالى ، وعجل بنفسه إلى النار ، فكتم أصحابه موته ، وساروا بعد أن شقوا بطن بغدوين ، وملأوه ملحا حتى بقي إلى بلاده ، فدفنوه بها .

--> ( 1 ) اليعقوبي : أحمد بن إسحاق بن جعفر مؤرخ جغرافي كثير الأسفار ، له كتاب في التاريخ ( تاريخ اليعقوبي ) توفي بعد سنة 292 ه . الأعلام ج 1 / 95 .