المقريزي
346
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب ، فأخرجوا شعيبا ومن آمن معه من مواضعهم ، وأزالوهم عن أماكنهم ، وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم ، فجعلها اللّه عليهم نارا ، فأتت عليهم فرثت جارية بنت كلمن أباها ، وكانت بالحجاز فقالت : كلمن هدّم ركني * هلكه وسط المحله سيد القوم أتاه ال * حتف نارا وسط ظله كوّنت نارا فأضحت * دار قومي مضمحلة وقال المتنصر بن المنذر المدينيّ : ألا يا شعيب قد نطقت مقالة * أبدت بها عمرا وتحيي بني عمرو هم ملكوا أرض الحجاز بأوجه * كمثل شعاع الشمس في صورة البدر وهم قطنوا البيت الحرام وزينوا * قطورا وفازوا بالمكارم والفخر ملوك بني حطي وسعفص ذي الندى * وهوّز أرباب الثنية والحجر قال المسعوديّ : ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير ، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك ، وتملكهم عليها وإبادتهم من كان فيها قبلهم من الأمم ، وقيل : إنّ الأيكة المذكورة في قوله عز وجل : كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء / 176 ] ، وفي قوله سبحانه وتعالى : وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ [ الحجر / 78 ] هي مدين ، وقيل : من ساحل البحر إلى مدين ، وقيل : هي غيضة نحو مدين ، وقيل : بل أصحاب الأيكة ، الذين بعث إليهم شعيب كانوا بتبوك بين الحجر ، وأوّل الشام ، ولم يكن شعيب منهم ، وإنما كان من مدين . وقال أبو عبيد البكريّ : الأيكة المذكورة في كتاب اللّه تعالى التي كانت منازل قوم شعيب ، روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فيها روايتان ، إحداهما : إنّ الأيكة من مدين إلى شعيب ، والرواية الثانية : إنها من ساحل البحر إلى مدين ، وكان شجرهم المقل والأيكة عند أهل اللغة الشجر الملتف ، وكانوا أصحاب شجر ملتف ، وقال قوم : الأيكة : الغيضة ، وليكة : اسم البلد وما حولها كما قيل : مكة ، وبكة . وقال أبو جعفر النحاس : ولا يعلم ليكة اسم البلد ، وقال ابن قتيبة : وكان بعضهم يزعم أن بكة ، هو موضع المسجد وما حولها مكة كما فرق بين الأيكة وليكة ، فقيل : الأيكة : الغيضة ، وليكة البلد : حولها . وقال البكريّ : مدين بلد بالشام معلوم تلقاء غزة ، وهو المذكور في كتاب اللّه تعالى ، وهذا وهم ، بل مدين من أرض مصر ، وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، سرية إلى مدينة مدين ، أميرهم : زيد بن حارثة رضي اللّه عنه ، فأصاب سبيا من أهل ميتا . قال ابن إسحاق : وميتا هي السواحل ، فبيعوا وفرّق بين الأمهات والأولاد ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم يبكون فقال :