المقريزي

31

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

القبلة والبحر يكونان في بعض البلاد في جهة واحدة ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن أرض مصر : لها حدّ يأخذ من بحر الروم ومن الإسكندرية ، وزعم قوم من برقة في البرّ حتى ينتهي إلى ظهر الواحات ، ويمتدّ إلى بلد النوبة ، ثم يعطف على حدود النوبة في حدّ أسوان على حدّ أرض السبخة في قبليّ أسوان حتى ينتهي إلى بحر القلزم ، ثم يمتدّ على بحر القلزم ويجاوز القلزم إلى طور سينا ، ويعطف على تيه بني إسرائيل مارا إلى بحر الروم في الجفار خلف العريش ورفح ، ويرجع إلى الساحل مارّا على بحر الروم إلى الإسكندرية ، ويتصل بالحدّ الذي قدمت ذكره من نوحي برقة . وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في رسالته المصرية : أرض مصر بأسرها واقعة في المعمورة في قسمي الإقليم الثاني ، والإقليم الثالث ، ومعظمها في الثالث ، وحكى المعتنون بأخبارها وتواريخها أنّ حدّها في الطول من مدينة برقة التي في جنوب البحر الروميّ إلى أيلة من ساحل الخليج الخارج من بحر الحبشة والزيج والهند والصين ، ومسافة ذلك قريب من أربعين يوما ، وحدّها في العرض من مدينة أسوان وما سامتها من الصعيد الأعلى المتآخم لأرض النوبة إلى رشيد ، وما حاذاها من مساقط النيل في البحر الروميّ ومسافة ذلك قريب من ثلاثين يوما ، ويكتنفها في العرض إلى منتهاها جبلان أحدهما في الضفة الشرقية من النيل ، وهو المقطم ، والآخر في الضفة الغربية منه ، والنيل متسرب فيما بينهما ، وهما جبلان أجردان غير شامخين يتقاربان جدّا في وضعهما من لدن أسوان إلى أن ينتهيا إلى الفسطاط ، ثم يتسع ما بينهما ، وينفرج قليلا ، ويأخذ المقطم منهما مشرّقا والآخر مغرّبا على وراب في مأخذيهما ، وتفريج في مسلكيهما ، فتتسع أرض مصر من الفسطاط إلى ساحل البحر الرومي الذي عليه الفرماء وتنيس ودمياط ورشيد والإسكندرية ، فهناك تتقطع في عرضها الذي هو مسافة ما بين أوغلها في الجنوب ، وأوغلها في الشمال ، وإذا نظرنا بالطريق البرهانية في مقدار هذه المسافة من الأميال لم تبلغ ثلاثين ميلا ، بل تنقص عنها نقصانا ما له قدر ، وذلك لأن فضل ما بين عرض مدينة أسوان التي هي أوغلها في الجنوب ، وعرض مدينة تنيس التي هي أوغلها في الشمال تسعة أجزاء ونحو سدس جزء وليس بين طوليها فضل له قدر يعتدّ به ، وينوب ذلك نحو خمسمائة وعشرين ميلا بالتقريب ، وذلك مسافة عشرين يوما أو قريب منها وفي هذه المدّة من الزمان تقطع السفار ما بين البلدين بالسير المعتدل أو أكثر من ذلك لما في الطريق من التعويج وعدم الاستقامة . وقال القضاعي : الذي يقع عليه اسم مصر من العريش إلى آخر لوبية ومراقيه وفي آخر أرض مراقيه تلقى أرض انطابلس وهي برقة ، ومن العريش فصاعدا يكون ذلك مسيرة أربعين ليلة ، وهو ساحل كله على البحر الرومي ، وهو بحريّ أرض مصر ، وهو مهب الشمال منها إلى القبلة شيئا ما فإذا بلغت آخر أرض مراقيه عدّت ذات الشمال ، واستقبلت الجنوب ، وتسير في الرمل وأنت متوجه إلى القبلة يكون الرمل من مصبه عن يمينك إلى إفريقة وعن