المقريزي
305
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات * وأحمي بعد عن عرض صحيح بذي شطب كلون الملح صاف * ونفس لم تقرّ على القبيح الشطب : سعف النخل الأخضر ، الواحدة شطبة ، وجشأت : ارتفعت من حزن أو فزع ، وجاشت : دارت للغثيان ، وقيل : هما بمعنى ارتفع ، والمشيح : البارد المنكمش . فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال ، فقال عمرو : هو ابني حقا ، وصلى عمرو يومئذ صلاة الخوف ، ثم فتح اللّه للمسلمين ، وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة ، واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية ، فتحصن بها الروم ، وكان عليها حصون متينة لا ترام ، حصن دون حصن ، فنزل المسلمون ومعهم رؤساء القبط يمدّونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة ، فأقاموا شهرين ثم تحوّل ، فخرجت عليه خيل من ناحية البحيرة مستترة بالحصن ، فواقعوه ، فقتل يومئذ من المسلمين ، اثنا عشر رجلا ، ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم . وكان ملك الروم يقول : لئن ظهرت العرب على الإسكندرية ففي ذلك انقطاع الروم وهلاكهم لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية ، وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية ، فقال الملك : لئن غلبونا على الإسكندرية ، هلكت الروم ، وانقطع ملكها ، فأمر بجهازه ومصلحته لخروجه إلى الإسكندرية حتى يباشر قتالها بنفسه ، فلما فرغ من جهازه صرعه اللّه عز وجل ، فأماته وكفى المسلمين مؤنته ، وكان موته في سنة تسع عشرة ، فكسر اللّه بموته شوكة الروم ، فرجع جمع كثير ممن كان قد توجه . وقال الليث : مات هرقل في سنة عشرين ، وفيها فتحت قيسارية الشام . قال : واستأسدت العرب عند ذلك ، وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية ، فقاتلوهم قتالا شديدا ، وخرج طرف من الروم من باب حصن الإسكندرية ، فحملوا على الناس ، فقتلوا رجلا من مهرة واحتزوا رأسه ، ومضوا به ، فجعل المهريون يتغضبون ، ويقولون : لا ندفنه إلا برأسه ، فقال عمرو : تتغضبون كأنكم تتغضبون على من يبالي بغضبكم ، احملوا على القوم إذا خرجوا ، فاقتلوا منهم رجلا ثم ارموا برأسه ، يرمونكم برأس صاحبكم ، فخرجت الروم إليهم فاقتتلوا ، فقتل من الروم رجل من بطارقتهم ، فاحتزوا رأسه ، ورموا به الروم ، فرمت الروم برأس المهري إليهم ، فقال : دونكم الآن فادفنوا صاحبكم . وكان عمرو يقول : ثلاث قبائل من مصر ، أما مهرة فقوم يقتلون ولا يقتلون ، وأما عافق فقوم يقتلون ولا يقتلون ، وأما بلى فأكثرها رجلا صحب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأفضلها فارسا . وقال رجل لعمرو : لو جعلت المنجنيق ورميتهم به لهدم حائطهم ، فقال عمرو : تستطيع أن يفنى مقامك من الصف ، وقيل له : إنّ العدوّ قد غشوك ونحن نخاف على