المقريزي

296

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ولك عليّ عهد اللّه وميثاقه أن أعطيك ديتين ، لأنّ اللّه عز وجل أحياني بك مرّتين ، فقال له عمرو : أين بلادك ؟ قال : مصر في مدينة يقال لها : الإسكندرية ، فقال له عمرو : لا أعرفها ، ولم أدخلها قط ، فقال له الشماس : لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها ! فقال له عمرو : تفي لي بما تقول ، ولي عليك بذلك العهد والميثاق ، فقال له الشماس : نعم لك واللّه عليّ العهد والميثاق أن أفي لك ، وأن أردّك إلى أصحابك ، فقال له عمرو : كم يكون مكثي في ذلك ؟ قال : شهرا تنطلق معي ذاهبا عشرا ، وتقيم عندنا عشرا ، وترجع في عشر ، ولك عليّ أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا ، فقال له عمرو : انظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك ، فانطلق عمرو إلى أصحابه ، فأخبرهم بما عاهد عليه الشماس ، وقال لهم : تقيمون عليّ حتى أرجع إليكم ولكم عليّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به ، فقالوا : نعم ، وبعثوا معه رجلا منهم ، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس ، حتى انتهوا إلى مصر فرأى عمرو من عمارتها ، وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه ! فقال عمرو للشماس : ما رأيت مثل ذلك ، ومضى إلى الإسكندرية ، فنظر عمرو إلى كثرة ما فيها من الأموال والعمارة ، وجودة بنائها ، وكثرة أهلها ، فازداد عجبا ، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ، ولهم كرة من ذهب مكالة يترامى بها ملوكهم ، وهم يتلقونها بأكمامهم ، وفيما اختبروا من تلك الكرة على ما وصفها من مضى منهم ، أنها من وقعت الكرة في كمه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم . فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله ، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه ، وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس ، حيث يترامون بالكرة وهم يتلقونها بأكمامهم ، فرمى بها رجل منهم ، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو ، فعجبوا من ذلك ، وقالوا : ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه المرّة ! أترى هذا الأعرابيّ يملكنا ؟ هذا ما لا يكون أبدا ، وإنّ ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية ، وأعلمهم أنّ عمرا أحياه مرّتين ، وأنه قد ضمن له ألفي دينار ، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم ، ففعلوا ، ودفعوها إلى عمرو ، فانطلق عمرو وصاحبه ، وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا ، وزوّدهما وأكرمهما ، حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما ، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها ، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد ، وأكثرها أموالا ، فلما رجع عمرو إلى أصحابه ، دفع إليهم بيما بينهم ألف دينار ، وأمسك لنفسه ألفا ، قال عمرو : وكان أوّل مال اعتقدته وتأثلته . ذكر عمود السواري هذا العمود حجر أحمر منقط ، وهو من الصوّان الماتع كان حوله ، نحو أربعمائة عمود كسرها قراجا والي الإسكندرية في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ،