المقريزي
291
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الوليد عن الخبر ؟ فقال : تحت منارة الإسكندرية أموال ملوك الأرض ، وذلك أن الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشدّاد بن عاد وملوك مصر ، فبنى لها أزجا تحت الأرض ، وقنطر لها الأقباء والقناطر والسراديب ، وأودعها تلك الذخائر من العين والورق والجوهر ، وبنى فوق ذلك هذه المنارة ، وكان طولها في الهواء ألف ذراع ، والمرآة في علوه ، والدبادبة جلوس حوله ، فإذا نظروا إلى العدوّ في البحر في ضوء تلك المرآة صوّتوا لمن قرب منهم ، ونشروا أعلاما فيراها من بعد منهم ، فتحذر الناس وتنذر البلد ، فلا يكون للعدوّ عليهم سبيل . فبعث الوليد مع الخادم ، بجيش وأناس من ثقاته وخواصه ، فهدم نصف المنارة من أعلاها ، وأزيلت المرآة فضج الناس من هذا ! وعلموا أنها مكيدة وحيلة في أمرها ، فلما علم الخادم استفاضة ذلك وأنه سينم إلى الوليد وأنه قد بلغ ما يحتاج إليه هرب في الليل في مركب كان قد أعدّه ، وواطأ على ذلك ، فتمت حيلته وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . وكان حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغاص يخرج منه قطع من الجوهر يتخذ منه فصوص للخواتم أنواعا من الجواهر ، يقال : إنّ ذلك من آلات اتخذها الإسكندر للشراب ، فلما مات كسرتها أمه ، ورمت بها في تلك المواضع من البحر ، ومنهم من رأى أن الإسكندر اتخذ ذلك النوع من الجواهر ، وغرّقه حول المنارة لكيلا تخلو من الناس حولها ، لأنّ من شأن الجوهر أن يكون مطلوبا أبدا في كل عصر ، ويقال : إنّ هذه المنارة إنما جعلت المرآة في أعلاها ، لأنّ ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية ، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة تري من يرد في البحر من عدوّهم ، وكان من يدخلها يتيه فيها إلا أن يكون عارفا بالدخول والخروج فيها لكثرة بيوتها وطبقاتها وممرّاتها . وقد ذكر : أن المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة ، فتاهوا فيها ، وفي طرق تؤول إلى مهاو تهوي إلى السرطان الزجاج ، وفيه مخارق إلى البحر ، فتهوّرت دوابهم ، وفقد منهم عدد كثير وعلم بهم بعد ذلك ، وقيل : إن تهوّرهم كان على كرسيّ لها قدّامها ، وفي المنارة مسجد في هذا الوقت يرابط فيه مطوّعة المصريين وغيرهم . وفي سنة سبع وسبعين وسبعمائة ، سقط رأس المنارة من زلزلة ، ويقال : إنّ منارة الإسكندرية ، كانت مبنية بحجارة مهندمة مضببة برصاص على قناطر من الزجاج ، وتلك القناطر على ظهر سرطان ، وكان في المنارة ، ثلاثمائة بيت بعضها فوق بعض ، وكانت الدابة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنارة ، ولهذه البيوتات طاقات تشرف على البحر ، وكانت على الجانب الشرقيّ من المنارة كتابة عرّبت ، فإذا هي : بنت هذه المنظرة قريبا بنت مرينوس اليونانية لرصد الكواكب .