المقريزي
276
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
جاوز قرني الشمس من المغرب والمشرق . ويقال : إنما سمي ذا القرنين لأنه كان له غديرتان من شعر رأسه يطأ فيهما ، وقيل : بل كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة . وعن ابن شهاب : إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مشرقها . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال : كان أوّل شأن الإسكندرية أنّ فرعون اتخذ بها مصانع ومجالس ، وكان أوّل من عمرها وبنى فيها ، فلم تزل على بنائه ومصانعه ، ثم تداولها ملوك مصر بعده فبنت دلوكة بنت زبا منارة الإسكندرية ومنارة بوقير بعد فرعون ، فلما ظهر سليمان بن داود عليهما السلام على الأرض اتخذ بها مجلسا ، وبنى فيها مسجدا ، ثم إن ذا القرنين ملكها ، فهدم ما كان من بناء الملوك والفراعنة ، وغيرهم إلا بناء سليمان لم يهدمه ، ولم يغيره ، وأصلح ما كان رث منه ، وأقرّ المنارة على حالها ، ثم بنى الإسكندرية من أوّلها بناء يشبه بعضه بعضا ثم تداولها الملوك بعده من الروم وغيرهم ، ليس من ملك إلا يكون له بناء يضعه بالإسكندرية يعرف به ، وينسب إليه . قال ابن لهيعة : وبلغني أنه وجد بالإسكندرية حجر مكتوب فيه : أنا شدّاد بن عاد ، وأنا الذي نصب العماد ، وحيّد الأحياد ، وشدّ بذراعه الواد بنيتهنّ إذ لا شيب ولا موت ، وإذ الحجارة في اللين مثل الطين ، وفي رواية : وكنزت في البحر كنزا على اثني عشر ذراعا لن يخرجه أحد حتى تخرجه أمّة محمد صلى اللّه عليه وسلم . قال ابن لهيعة : والأحياد كالمغار ، وقال أبو علي القاليّ في كتاب الأمالي ، وأنشد ابن الأعرابيّ وغيره : تسألني عن السنين كم لي * فقلت عمر الحسل أو عمر نوح زمن الفطحل * لو أنني أوتيت علم الحكل وعشت دهرا زمن الفطحل * لكنت رهن هرم أو قتل وفي رواية : علم سليمان كلام النمل * أيام كان الصخر مثل الوحل وقال آخر : زمن الفحطل إذ السلام رطاب ، وعندهم أنّ زمن الفحطل : زمان كان بعد الطوفان عظم فيه الخصب ، وحسنت أحوال أهله ، وقال بعضهم : زمن الفحطل زمن لم يخلف بعده ، وقوله : علم الحكل ، الحكل ما لا يسمع صوته من الحيوان ، وهذا الرجز لرؤبة بن العجاج بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن كثيف بن حيي بن بكر بن ربيعة بن سعد بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وذلك أنه ورد ماء لعكل ، فرأى فتاة فأعجبته ، فخطبها ، فقالت :