المقريزي

230

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وجهه كالأنف والعين والأذن متناسبة كما تصنع الطبيعة الصور متناسبة ، فإنّ أنف الطفل مثلا مناسب له ، وهو حسن به حتى لو كان ذلك الأنف لرجل كان مشوّها ، وكذلك أنف الرجل لو كان لصبيّ لتشوّهت صورته ، وعلى هذا سائر الأعضاء فكل عضو ينبغي أن يكون على مقدار ماهيته بالقياس إلى الصورة وعلى نسبتها ، والعجب من مصوّره كيف قدر أن يحفظ التناسب للأعضاء مع عظمها ، وإنه ليس في أعمال الطبيعة ما يحاكيه . ويقابله في برّ مصر قريبا من دار الملك : صنم عظيم الخلقة والهيئة متناسب الأعضاء كما وصف ، وفي حجره مولود وعلى رأسه مأجور ، الجميع صوّان ماتع يزعم الناس أنه امرأة وأنها سريّة أبي الهول المذكور ، وهي بدرب منسوب إليها ويقال : لو وضع على رأس أبي الهول خيط ومدّ إلى سريته لكان على رأسها مستقيما . ويقال : إن أبا الهول ، طلسم الرمل يمنعه عن النيل ، وإنّ السرية طلسم الماء يمنعه عن مصر . وقال ابن المتوّج « 1 » : زقاق الصنم ، هو الزقاق الشارع ، أوّله بأوّل السوق الكبير بجوار درب عمار ، ويعرف الصنم بسرية فرعون ، وذكر أنه طلسم النيل لئلا يغلب على البلد . وقيل : إن بلهيب الذي عند الأهرام يقابله ، وإنّ ظهر بلهيب إلى الرمل ، وظهر هذا إلى النيل ، وكل منهما مستقبل الشرق ، وقد نزل في سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، أمير يعرف ببلاط في نفر من الحجارين والقطاعين وكسروا الصنم المعروف بالسرية ، وقطعوه أعتابا وقواعد ظنا أن يكون تحته مال ، فلم يوجد سوى أعتاب من حجر عظيمة ، فحفر تحتها إلى الماء فلم يوجد شيء ، وجعل من حجرة قواعد تحتانية للعمد الصوّان التي بالجامع المستجد بظاهر مصر المعروف : بالجامع الجديد الناصريّ ، وأزيل عين هذا الصنم من مكانه ، واللّه أعلم . وفي زمننا ، كان شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء ، قام في نحو من سنة ثمانين وسبعمائة لتغيير أشياء من المنكرات ، وسار إلى الأهرام وشوّه وجه أبي الهول وشعثه ، فهو على ذلك إلى اليوم ، ومن حينئذ غلب الرمل على أراض كثيرة من الجيزة ، وأهل تلك النواحي يرون أن سبب غلبة الرمل على الأراضي فساد وجه أبي الهول وللّه عاقبة الأمور ، وما أحسن قول ظافر الحدّاد : تأمّل هيئة الهرمين وأعجب * وبينهما أبو الهول العجيب كعمار يبتن على رحيل * بمحبوبين بينهما رقيب

--> ( 1 ) ابن المتوج : تاج الدين ، محمد بن عبد الوهاب الزبيري مؤرخ مصري . له : ( إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمل ) في أحوال مصر وخططها . ولد سنة 639 وتوفي سنة 730 ه . الأعلام ج 6 / 256 .