المقريزي

218

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

سبعمائة من حجارة ، كل حجر خمسون ذراعا ، وعند مدينة فرعون موسى أهرام أكبر وأعظم ، وهرم آخر يعرف بهرم ، مدون كأنه جبل ، وهو خمس طبقات ، وفتح المأمون الهرم الكبير الذي تجاه الفسطاط ، قال : وقد دخلت في داخله ، فرأيت قبة مربعة الأسفل مدوّرة الأعلى كبيرة في وسطها بئر عمقها ، عشرة أذرع ، وهي مربعة ينزل الإنسان فيها ، فيجد في كل وجه من تربيع البئر بابا يفضي إلى دار كبيرة فيها موتى من بني آدم عليهم أكفان كثيرة أكثر من مائة ثوب على كل واحد ، قد بليت بطول الزمان واسودّت وأجسامهم مثلنا ليسوا طوالا ، ولم يسقط من أجسامهم ، ولا من شعورهم شيء ، وليس فيهم شيخ ، ولا من شعره أبيض ، وأجسادهم قوية لا يقدر الإنسان أن يزيل عضوا من أعضائهم البتة ، ولكنهم خفوا حتى صاروا كالغثا لطول الزمان ، وفي تلك البئر أربعة من الدور مملوءة بأجساد الموتى ، وفيها خفاش كثير ، وكانوا يدفنون أيضا جميع الحيوان في الرمال ، ولقد وجدت ثيابا ملفوفة كثيرا مقدار جرمها ، أكثر من ذراع ، وقد احترقت تلك الثياب من القدم ، فأزلت الثياب إلى أن ظهرت خرق صحاح قوية بيض من كتان أمثال العصائب فيها أعلام من الحرير الأحمر ، وفي داخلها هدهد ميت لم يتناثر من ريشه ، ولا من جسده شيء كأنه قد مات الآن . وفي القبة التي في الهرم ، باب يفضي إلى علو الهرم ، وليس فيه درج عرضه نحو خمسة أشبار ، يقال : إنه صعد فيها في زمان المأمون فأفضوا إلى قبة صغيرة فيها صورة آدمي من حجر أخضر كالدهنج ، فأخرجت إلى المأمون ، فإذا هي مطبقة ، فلما فتحت وجد فيها جسد آدميّ عليه درع من ذهب مزين بأنواع الجواهر وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له ، وعند رأسه حجر ياقوت أحمر كبيضة الدجاجة يضيء كلهب النار فأخذه المأمون . وقد رأيت الصنم الذي أخرج منه ذلك الميت ملقى عند باب دار الملك بمصر في سنة إحدى عشرة وخمسمائة . وقال القاضي الجليل أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي : روي عليّ بن الحسن بن خلف بن قديد عن يحيى بن عثمان بن صالح عن محمد بن عليّ بن صخر التميميّ قال : حدّثني رجل من عجم مصر من قرية من قراها تدعى قفط ، وكان عالما بأمور مصر وأحوالها وطالبا لكتبها القديمة ومعادنها ، قال : وجدنا في كتبنا القديمة ، قال : وأما الأهرام فإن قوما احتفروا قبرا في دير أبي هرميس ، فوجدوا فيه ميتا في أكفانه ، وعلى صدره قرطاس ملفوف في خرق فاستخرجوه من الخرق ، فرأوا كتابا لا يعرفونه ، وكان الكتاب بالقبطية الأولى ، فطلبوا من يقرأه لهم ، فلم يقدروا عليه ، فقيل لهم : إنّ بدير القلمون من أرض الفيوم راهبا يقرأه ، فخرجوا إليه ، وقد ظنوا أنه في الضيعة ، فقرأه لهم ، وكان فيه : كتب هذا الكتاب في أوّل سنة من ملك ديقلطيانس الملك ، وإنّا استنسخناه من كتاب نسخ : في أوّل سنة من ملك فيلبش الملك ، وإنّ فيلبش استنسخه من صحيفة من ذهب فرق كتابتها حرفا حرفا ، وكان من