المقريزي

182

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وكتب عمر رضي اللّه عنه إلى عثمان بن حنيف مع جرير بن عبد اللّه البجلي : أما بعد ، فأقطع جرير بن عبد اللّه قدر ما يقوّته ولا وكس ولا شطط ، فكتب عثمان إلى عمر : إن جريرا قدم عليّ بكتاب منك نقطعه ما يقوّته ، فكرهت أن أمضي ذلك حتى أراجعك فيه ، فكتب إليه صدق جرير ، فأنفذ ذلك ، وقد أحسنت في مؤامرتي ، وأقطع أبو موسى الأشعريّ ، وأقطع عليّ بن أبي طالب رحبة كردوس بن هاني ، وأقطع سويد بن غفلة الجعفي . قال سيف عن ثابت بن هزيمة عن سويد بن غفلة قال : استقطت عليا ، فقال : اكتب هذا ما أقطع عليّ سويدا أرضا لدوابه ما بين كذا إلى كذا ما شاء اللّه ، وذكر أبو القسم ، عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم ما أقطعه معاوية بن أبي سفيان ومن بعده من الخلفاء من دور مصر ، فأورد شيئا كثيرا . وقد كان خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس يقطعون الأراضي من أرض مصر ، النفر من خواصهم لا كما هو الحال اليوم ، بل يكون مال خراج أرض مصر يصرف منه أعطية الجند ، وسائر الكلف ، ويحمل ما يفضل إلى بيت المال ، وما أقطع من الأراضي فإنه بيد من أقطعه . وأما منذ كانت أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى يومنا هذا . فإن أراضي مصر كلها صارت تقطع للسلطان وأمرائه وأجناده . وأرض مصر اليوم على سبعة أقسام : قسم يجري في ديوان السلطان ، وهذا القسم ثلاثة أقسام ، منه ما يجري في الديوان الخاص ، ومنه ما يجري في الديوان المفرد ، وقسم من أراضي مصر قد أقطع الأمراء والأجناد ، وقد ذكر تفصيل ذلك عند ذكر الروك الناصري ، وقسم ثالث جعل وقفا محبسا على الجوامع والمدارس والخوانك « 1 » ، وعلى جهات البرّ ، وعلى ذراري واقفي تلك الأراضي وعتقائهم ، وقسم رابع يقال له : الأحباس يجري فيه أراض بأيدي قوم يأكلونها . إما عن قيامهم بمصالح مسجد أو جامع ، وإما يكون لهم لا في مقابلة عمل ، وقسم خامس قد صار ملكا يباع ويشتري ويورث ويوهب لكونه اشترى من بيت المال ، وقسم سادس لا يزرع للعجز عن زراعته فترعاه المواشي أو ينبت الحطب ونحوه ، وقسم سابع لا يشمله ماء النيل ، فهو قفر وهذا القسم منه ما لم يزل كذلك منذ عرفت أحوال الخليقة ، ومنه ما كان عامرا في الدهر الأوّل ثم خرب ، وسائر هذه الأقسام مذكورة أخبارها في هذا الكتاب تجدها إن أنت تأمّلته إن شاء اللّه تعالى . وقال أبو عبد اللّه « 2 » القاسم بن سلام في كتاب الأموال في الكلام على حديث معمر

--> ( 1 ) الخوانك : ج . خانقاه أو خانكاه وهي كلمة فارسية معناها البيت . صبح الأعشى 5 / 91 . ( 2 ) من كبار العلماء بالأدب والحديث والفقه . له مؤلفات عديدة ولد سنة 157 ه وتوفي سنة 224 ه . الأعلام ج 5 / 176 .