المقريزي
161
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
يشهد بصحة الملك رأسا ، ولا يستند في ذلك حجة ادّخرها احترازا عن مجاهدة سبيله ، واحتراسا . ولكن نحكم بما نراه من المصلحة للرعية والعدل الذي أقمنا مناره ، وأحيينا معالمه وآثاره مع الرغبة في عمارة البلاد ومصالح أحوالها ، واستنباط الأرضين الداثرة ، وإنشاء الغروس ، وإقامة السواقي بها أمرنا بكتب هذا المنشور ، وتلاوته بأعمال الصعيد الأعلى بإقرار جميع الأملاك والأرضين والسواقي بأيدي أربابها الآن من غير انتزاع شيء منها ، ولا ارتجاعه ، وأن يقرّر عليها من الخراج ما يجب تقريره ، ويشهد الديوان على أمثالهم بمثله إحسانا إليهم . لم نزل نتابع مثله ونواليه وإنعاما ما برحنا نعيده عليهم ونبديه ، وقد أنعمنا وتجاوزنا عما سلف ، ونهينا من يستأنف ، وسامحنا من خرج عن التعدّي إلى المألوف وجرينا على سننا في العفو والمعروف ، وجعلناها توبة مقبولة من الجماعة الجانين ، ومن عاد من الكافة أجمعين فلينتقم اللّه منه ، وطولب بمستأنفه وأمسه وبرئت الذمة من ماله ونفسه وتضاعفت عليه الغرامة والعقوبة ، وسدّت في وجهه أبواب الشفاعة والسلامة ، وقد فسحنا مع ذلك لكل من يرغب في عمارة أرض حلفاء داثرة ، وإدارة بئر مهجورة معطلة في أن يسلم إليه ذلك ، ويقاس عليه ، ولا يؤخذ منه خراج إلا في السنة الرابعة من تسليمه إياه ، وأن يكون المقرّر على كل فدّان ما توجبه زراعته لمثله خراجا مؤبدا وأمرا مؤكدا ، فليعتمد ذلك النوّاب ، وحكام البلاد ومن جرت العادة بحضوره عقد مجلس ، وإحضار جميع أرباب الأملاك والسواقي ، وإشعارهم ما شملهم من هذا الإحسان الذي تجاوز آمالهم في إجابتهم إلى ما كانوا يسألون فيه ، وتقرير ما يجب على الأملاك المذكورة من الخراج على الوضع الذي مثلناه ، ويجيز الديوان تقريره ويرضاه مع تضمين الأراضي الدائرة ، والآبار المعطلة لمن يرغب في ضمانها ونظم المشاريج بذلك وإصدارها إلى الديوان ليخلد فيه على حكم أمثالها بعد ثبوت هذا المنشور بحيث يثبت مثله قال : ولما سرت هذه المصالح إلى جميع أهل هذه الأعمال حصل الاجتهاد في تحصيل مال الديوان وعمارة البلاد . واعلم أنه لم يكن في الدولة الفاطمية بديار مصر ولا فيما مضى قبلها من دول أمراء مصر لعساكر البلاد إقطاعات بمعنى ما عليه الحال اليوم في أجناد الدولة التركية ، وإنما كانت البلاد تضمن بقبالات معروفة لمن شاء من الأمراء ، والأجناد والوجوه وأهل النواحي من العرب والقبط ، وغيرهم لا يعرف هذه إلّا بذة التي يقال لها اليوم الفلاحة ، ويسمى المزارع المقيم بالبلد : فلاحا قرارا ، فيصير عبدا قنا لمن أقطع تلك الناحية إلا أنه لا يرجو قط أن يباع ولا أن يعتق بل هو قنّ ما بقي ، ومن ولد له كذلك . بل كان من اختار زراعة أرض يقبلها كما تقدّم ، وحمل ما عليه لبيت المال ، فإذا صار مال الخراج بالديوان أنفق في طوائف العسكر من الخزائن ، وكان مع ذلك إذا انحط ماء النيل عن الأراضي ، وتعلقت نواحي مصر بأصناف الزراعات ندب من الحضرة من فيه نباهة ،