المقريزي

149

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

بها مني ذلولا ، ولكن اللّه عظم من حقك ما لا يجهل . فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص : سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو . أما بعد : فإني قد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج ، وكتابك إلى بثنيات الطرق ، وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق البين ، ولم أقدّمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ، ولا لقومك ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج ، وحسن سياستك ، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين ، وعندي من قد تعلم قوم محصورون ، والسلام . فكتب إليه عمرو بن العاص : بسم اللّه الرحمن الرحيم لعمر بن الخطاب ، من عمرو بن العاص سلام عليك ، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج ويزعم أني أحيد عن الحق ، وأنكث عن الطريق ، وإني واللّه ما أرغب عن صالح ما تعلم ، ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم ، فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيرا من أن نخرق بهم ، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه ، والسلام . وقال الليث بن سعد رضي اللّه عنه : جباها عمرو بن العاص رضي اللّه عنه اثني عشر ألف ألف دينار ، وجباها المقوقس قبله لسنة عشرين ألف ألف دينار ، فعند ذلك كتب إليه عمر بن الخطاب بما كتب ، وجباها عبد اللّه بن سعد بن سرح حين استعمله عثمان رضي اللّه عنه على مصر أربعة عشر ألف ألف دينار ، فقال عثمان لعمرو بن العاص بعد ما عزله عن مصر : ( يا أبا عبد اللّه درت اللقحة بأكثر من درها الأوّل ) . قال : أضررتم بولدها ، فقال : ذلك أن لم يمت الفصيل . وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى وردان « 1 » ، وكان قد ولي خراج مصر : أن زد على كل رجل من القبط قيراطا ، فكتب إليه وردان : كيف نزيد عليهم وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم شيء ؟ فعزله معاوية وقيل في عزل وردان غير ذلك . وقال ابن لهيعة : كان الديوان في زمان معاوية أربعين ألفا ، وكان منهم أربعة آلاف في مائتين مائتين ، فأعطى مسلمة « 2 » بن مخلد أهل الديوان عطياتهم ، وعطيات عيالهم ، وأرزاقهم ونوائب البلاد من الجسور ، وأرزاق الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز ، ثم بعث إلى معاوية بستمائة ألف دينار فضل .

--> ( 1 ) وردان : مولى عمرو بن العاص كان ذا فطنة ورأي . ( 2 ) مسلمة بن مخلد : أنصاري خزرجي من كبار الأمراء في صدر الإسلام . ولّاه معاوية إمارة مصر سنة 47 ه وتوفي سنة 62 ه . أعلام ج 7 / 224 .