المقريزي

141

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وكتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى عمرو بن العاص رضي اللّه عنه : أن اسئل المقوقس عن مصر ، من أين تأتي عمارتها وخرابها ؟ فسأله عمرو ، فقال له المقوقس : عمارتها وخرابها من وجوه خمسة : أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم ، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم ، ويحفر في كل سنة خلجانها ، وتسدّ ترعها وجسورها ، ولا يقبل مطل أهلها يريد البغي ، فإذا فعل هذا فيها عمرت وإن عمل فيها بخلافه خربت . وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال : لما استبطأ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، عمرو بن العاص رضي اللّه عنه ، في الخراج كتب إليه : أن ابعث إليّ رجلا من أهل مصر ، فبعث إليه رجلا قديما من القبطة فاستخبره عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن مصر وخراجها قبل الإسلام فقال : يا أمير المؤمنين مصر كان لا يؤخذ منها شيء إلا بعد عمارتها ، وعاملك لا ينظر إلى العمارة ، وإنما يأخذ ما ظهر له كأنه لا يريدها إلا لعام واحد ، فعرف عمر رضي اللّه عنه ما قال ، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به . وقال عمرو بن العاص رضي اللّه عنه للمقوقس : أنت وليت مصر فبم تكون عمارتها ؟ فقال : بخصال أن تحفروا خلجانها ، وتسدّ جسورها وترعها ، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلتها ، ولا يقبل مطل أهله ، ويوفي لهم بالشروط ، ويدر الأرزاق على العمال لئلا يرتشوا ، ويرتفع عن أهله المعاون والهدايا ، ليكون قوّة لهم ، فبذلك تعمر ويرجى خراجها . ويقال : إن ملوك مصر من القبط كانوا يقسمون الخراج أربعة أقسام : قسم لخاصة الملك ، وقسم لأرزاق الجند ، وقسم لمصالح الأرض ، وقسم يدخر لحادثة تحدث فينفق فيها . ولما ولي عبيد اللّه بن الحبحاب خراج مصر ، لهشام بن عبد الملك خرج بنفسه ، فمسح أرض مصر كلها عامرها وغامرها مما يركبه النيل ، فوجد فيها مائة ألف ألف فدّان ، والباقي استبحر وتلف ، واعتبر مدّة الحرث ، فوجدها ستين يوما ، والحرّاث يحرث خمسين فدّانا ، وكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حرّاث . ذكر مقدار خراج مصر في الزمن الأوّل قال ابن وصيف شاه : وكان منقاوس « 1 » قسم خراج البلاد أرباعا ، فربع للملك خاصة يعمل فيه ما يريد ، وربع ينفق في مصالح الأرض وما تحتاج إليه من عمل الجسور وحفر

--> ( 1 ) منقاوس : ويقال : منقاوش بن شداق بن قفطريم من ملوك القبط أول من عمل له الحمّام بمصر . صبح الأعشى 3 / 471 .