المقريزي

130

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

من الأتراك في الانقياد لكتابهم من القبط سواء منهم من أسرّ الكفر ومن جهر به . وما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدّث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلك ، وخيل له من تلف مال الخراج إذا بطل هذا العيد . فإن أكثر خراج شبرى إنما يحصل من ذلك ، وقال له : متى لم يعمل العيد لم يطلع النيل أبدا . ويخرب إقليم مصر لعدم طلوع النيل ، ونحو ذلك من هتف القول ، وتنميق المكر فثبت اللّه الأمير بيبرس ، وقوّاه حتى أعرض عن جميع ما زخرفه من القول واستمرّ على منع عمل العيد . وقال للتاج : إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الأصبع فلا يطلع ، وإن كان اللّه سبحانه هو المتصرف فيه فنكذب النصارى ، فبطل العيد من تلك السنة ولم يزل منقطعا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة . وعمّر الملك الناصر محمد بن قلاوون الجسر في بحر النيل ليرمي قوّة التيار عن برّ القاهرة إلى ناحية الجيزة كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب ، فطاب الأمير يلبغا اليحياويّ ، والأمير الطنبغا « 1 » المارديني من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدّة ، فلم تطب نفسه بذلك لشدّة غرامه بهما ، وتهتكه في محبتهما ، وأراد صرفهما عن السفر ، فقال لهما : نحن نعيد عمل عيد الشهيد ، فيكون تفرّجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصيد ، وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد فرضيا منه بذلك ، وأشيع في الإقليم إعادة عمل عيد الشهيد ، فلما كان اليوم الذي كانت العادة بعمله فيه ركب الأمراء النيل في الشخاتير بغير حراريق ، واجتمع الناس من كل جهة ، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللهو والخلاعة ، فركبوا النيل وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات ، وتوسع الأمراء في تنوّع الأطعمة والحلاوات ، وغيرها توسعا خرجوا فيه عن الحدّ في الكثرة البالغة ، وعمّ الناس منهم ما لا يمكن وصفه لكثرته ، واستمرّوا على ذلك ثلاثة أيام ، وكانت مدّة انقطاع عمل عيد الشهيد منذ أبطله الأمير بيبرس إلى أن أعاده الملك الناصر ، ستا وثلاثين سنة ، واستمرّ عمله في كل سنة بعد ذلك إلى أن كانت سنة خمس وخمسين وسبعمائة ، تحرّك المسلمون على النصارى وعملت أوراق بما قد وقف من أراضي مصر على كنائس النصارى ، ودياراتهم . وألزم كتاب الأمراء بتحرير ذلك وحمل الأوراق إلى ديوان الأحباس ، فلما تحرّرت الأوراق اشتملت على خمسة وعشرين ألف فدّان كلها موقوفة على الديارات والكنائس ، فعرضت على أمراء الدولة القائمين بتدبير الدولة في أيام الملك الصالح : صالح « 2 » بن محمد بن قلاوون وهم : الأمير شيخو العمري ، والأمير صرغتمش ، والأمير طاز ، فتقرّر الحال على أن ينعم بذلك على الأمراء زيادة على إقطاعاتهم ، وألزم النصارى بما يلزمهم من الصغار ، وهدمت لهم

--> ( 1 ) من مماليك الأمير علاء الدين الجاولي . شاعر مجيد ثم صار أحد أمراء الجند في الشام وتوفي فيها وذلك سنة 744 ه . الأعلام ج 2 / 7 . ( 2 ) من ملوك الدولة القلاوونية ، ولد سنة 738 ه وبويع له بالسلطنة بعد خلع أخيه حسن سنة 752 ه ثم خلع وحبس إلى أن مات سنة 761 ه . الأعلام ج 3 / 195 .