المقريزي

103

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

يخرج عن جانبي الزجاجة ، فيحدث لها نور يسخن الهواء الذي يحيط بالزجاجة أو بالأرض ، فيقترف الماء شبه تسخين ينمي به ويزيد وذلك قبالة القرص ، وقبالة مخرج الشعاع من قبالة وتد القمر ، فهذا هو المدّ دائما ، ويستدير باستدارة الفلك ، وتدويره لفلك القمر وتدوير فلك القمر للقمر . والمدّ الشهريّ هو أن يقابل القمر الشمس أو يستتر تحتها . لأنه ليس إلا كون القمر قبالة الشمس لكونه في تربيع الشمس أضعف وفي المقابلة أقوى ، وكذلك إذا قابلها على وسط كرة الأرض بحيث تكون الحركة أشدّ ، والاكتناف للماء والأرض أعم فذلك هو المدّ السنوي . فصل في الردّ على من اعتقد أن النيل من سيل يفيض أما العامة فليس عندهم ما يجيء على وجه الأرض أنه سيل ، ومن تفطن إلى عظمه واتساعه في أسفله وضيقه في أعلاه ، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض ، ولا هواء . نسب ذلك إلى الخيال المحض . كما فعل صاحب كتاب المسالك والممالك : الذي زعم أن الماء يسافر من كل أرض ، وموطن إلى النيل تحت الأرض فيمدّه لأن النيل إنما يفيض في الخريف . والعيون والآبار في ذلك الوقت يقل ماؤها ، والنيل يكثر فرأوا كثرة وقلة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال ، ومما يدلك على أنه ليس عن سيل يفيض أن السيل يكون في غير وقت فيض البحر ، ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر ، فيصل السيل ويمرّ نحو البحر ، فلا يردعه رادع . . ومنها : أن فيض النيل على تدريج مدّة ثلاثة أشهر من حلول الشمس رأس السرطان إلى حلولها بآخر برج السنبلة ، والناس يحسبون به قبل فيضه بمدّة شهرين ولعامل مصر في وسط النيل مقياس موضوع ، وهو سارية فيها خطوط يسمونها أذرعا يعلم بها مقدار صعوده في كل يوم . . ومنها : أن فيضه أبدا في وقت واحد ، فلو كان بالسيل لاختلف بعض الاختلاف . ومنها : أنه قد يجيء السيل في غير هذا الوقت فلا يفيض . ومنها : أن الحذاق بمصر إذا رأوا الحر يزيد علموا أن النيل سيزيد لأنّ شدّة الحرّ تذيب الهواء فيذوب الماء ، ولا يكون إلا عن زيادة كوكب ، ودنوّ نور . ومنها : أن موضع مصبه من أسوان إنما هو واد من الأودية وما أسحل اتسع حتى يكون عرض اتساعه نحوا من مائة ميل وأسوان هو منتهى بلوغ الردع ، فما ظنك بسيل مسيره نصف شهر لا نسبة بين مصب أعلاه وأسفله ، كيف كان يكون أعلاه لو كان امتلاء أسفله عن