المقريزي

101

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

البحر قال : وكثيرا ما يوجد في نهر النيل التماسيح ، وإقبال النيل من أرض الحبشة ليس يختلف فيه أحد ، وعدّة أمياله من مخرجه المعروف إلى موقفه مائة ألف وتسعون ألفا وتسعمائة وثلاثون ميلا . وماء النيل عكر مرمل عذب وفيّ ، انتهى . والنيل إذا وصل إلى الجنادل كان عند انتهاء مراكب النوبة انحدار أو مراكب الصعيد إقلاعا . وهناك حجارة مضرسة لا مرور للمراكب عليها إلا في أيام زيادة النيل . ثم يأخذ على الشمال فيكون على شرقيه أسوان من الصعيد الأعلى ، ويمرّ بين جبلين يكتنفان أعمال مصر أحدهما شرقيّ والآخر غربي ، حتى يأتي مدينة فسطاط مصر ، فتكون في بره الشرقيّ . فإذا تجاوز فسطاط مصر بمسافة يوم صار فرقتين : فرقة تمرّ حتى تصب في بحر الروم عند دمياط ، وتسمى هذه الفرقة : بحر الشرق ، والفرقة الأخرى هي : عمود النيل ومعظمه يقال لها : بحر الغرب تمرّ حتى تصب في بحر الروم أيضا عند رشيد ، وكانت مدينة كبيرة في قديم الزمان . ويقال : إن مسافة النيل من منبعه إلى أن يصب في البحر عند رشيد سبعمائة وثمانية وأربعون فرسخا . وأنه يجري في الخراب أربعة أشهر ، وفي بلاد السودان شهرين ، وفي بلاد الإسلام مسافة شهر . وذهب بعضهم إلى أن زيادة ماء النيل إنما تكون بسبب المدّ الذي يكون في البحر فإذا فاض ماؤه تراجع النيل ، وفاض على الأراضي ووضع في ذلك كتابا حاصله : إن حركة البحر التي يقال لها المدّ والجزر ، توجد في كل يوم وليلة مرّتين ، وفي كل شهر قمريّ مرّتين ، وفي كل سنة مرّتين . فالمدّ والجزر اليوميّ تابع لقرص القمر ، ويخرج الشعاع عنه من جنبتي جرم الماء . فإذا كان القمر وسط السماء كان البحر في غاية المدّ ، وكذا إذا كان القمر في وتد الأرض فإذا بزغ القمر طالعا من الشرق أو غرب كان الجزر . والمدّ الشهري يكون عند استقبال القمر للشمس في نصف الشهر ، ويقال له : الامتلاء أيضا عند الاجتماع ، ويقال له : السرار . والجزر يكون أيضا في وقتين عند تربيع القمر للشمس في سابع الشهر ، وفي ثاني عشريه . والمدّ السنوي يكون أيضا في وقتين : أحدهما عند حلول الشمس آخر برج السنبلة ، والآخر عند حلول الشمس بآخر برج الحوت ، فإن اتفق أن يكون ذلك في وقت الامتلاء أو الاجتماع ، فإنه حينئذ يجتمع الامتلاءان الشهريّ والسنويّ ، ويكون عند ذلك البحر في غاية الفيض لا سيما إن وقع الاجتماع أو الامتلاء في وسط السماء ، ووقع مع النيرين أو مع أحدهما أحد الكواكب السيارة فإنه يعظم الفيض . فإن وقع كوكب فصاعدا مع أحد النيرين ، تزايد عظم الفيض ، وكانت زيادة النيل تلك السنة عظيمة جدا ، وزاد أيضا نهر مهران . فإن كان الاجتماع أو الامتلاء زائلا عن وسط السماء ، وليس مع أحد النيرين كوكب فإن النيل ونهر مهران لا يبلغان غاية زيادتهما لعدم الأنوار التي تثير المياه .