علي أكبر غفاري
48
دراسات في علم الدراية
صنف فيه الشافعي ، ثم ابن قتيبة . ومن أصحابنا - رضي الله عنهم - الشيخ أبو جعفر الطوسي ، التهذيب والاستبصار [ في ما اختلف من الأخبار ] وقد جمعوا بين الأخبار على حسب ما فهموه . وقد قال في البداية : " إنه قلما يتفق فهمان على جمع واحد ، ومن أراد الوقوف على جلية الحال ، فليطالع المسائل الفقهية الخلافية ، التي ورد فيها أخبار مختلفة ، يطلع على ما ذكرنا - انتهى " . ثم إن أهل الدراية ، قد جعلوا من أمثلة المختلف من أحاديث الأحكام ، حديث " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا " ، وحديث " خلق الله الماء طهورا ، لا ينجسه شئ إلى ما غير طعمه أو لونه أو ريحه " ، فإن الأول ظاهر في طهارة القلتين ، تغير أم لا ، والثاني ظاهر في طهارة غير المتغير سواء كان قلتين أو أقل . ومن أحاديث غير الأحكام حديث " لا يورد ممرض على مصح " وحديث " فر من المجذوم فرارك من الأسد " مع حديث " لا عدوى " وبيان ذلك أن " يورد " - بكسر الراء - مضارع أورد ، أي عرضه على الماء ومفعوله محذوف . و " ممرض " - بإسكان الميم الثانية ، وكسر الراء - صاحب الإبل المراض ، من أمرض الرجل إذا وقع في ماله المرض . والمصح - بكسر الصاد - صاحب الإبل الصحاح ، والمعنى أنه لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على الإبل الصحاح ، أي فوقها من جانب الماء الجاري ، حيث يجري سؤر المراض ، فتشربه الصحاح ، فتتمرض . ووجه مخالفة الخبرين الأولين للثالث ، دلالتهما على إثبات سراية المرض من المريض إلى غيره . ونفي الثالث السراية . وقد جمعوا بين الخبرين بوجوه : أحدها : ما عن ابن الصلاح من العامة ، من أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضه . وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غير من الأسباب . ثانيها : ما عن شيخ الإسلام ، من أن نفي العدوي باق على عمومه والأمر بالفرار إنما هو من باب سد الذرايع ، لئلا يتفق للذي يخالطه شئ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء ، لا بالعدوى المنفية ، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوي