ماكس فرايهر فون اوپنهايم
75
من البحر المتوسط إلى الخليج
[ تفضيل البدوي الحياة في الخيام وكرهه حياة المدن ] أن يعيش البدوي بصورة دائمة في مثل هذه الخيام التي ، كما هو واضح ، لا توفر حماية كافية ضد العوامل المناخية والتأثيرات الخارجية فهذا أمر له علاقة بطبيعته وطريقة حياته التي ظلت على حالها منذ آلاف السنين . فابن الصحراء فخور جدا بخيمته السوداء إلى درجة أنه ينظر باحتقار إلى أبناء المدن وإلى بيوتهم الحجرية . ولذلك يواجه الباب العالي ، الذي يسعى إلى تحضير البدو عن طريق حملهم على الاستقرار ، صعوبات كبيرة . وهكذا نجد أن قبيلة طيء قد بنت بيوتا ثابتة استجابة لطلب الحكومة ، أو حصلت من الحكومة على بيوت جاهزة ، لكن أبناءها ما زالوا كالسابق يعيشون في الخيام بينما بقيت البيوت الثابتة خالية « 1 » . ويروي لا يارد « 2 » أن امرأة بدوية ، هي زوجة سطام شيخ شمر ، رفضت أن تتحمل عار النوم في خيمة مدنية بيضاء . ويروى عن الأميرة المصرية في عهد الخديوي عباس الأول ، وهي ابنة شيخ بدوي ، أنها أمرت بنصب خيمة لها على سطح القصر « 3 » . ولا يحب البدوي الذهاب إلى المدينة أبدا . أما شيوخ القبائل الكبيرة فيعينون وكلاء لهم في الأماكن التي تكون لهم مصالح فيها إما لقضاء أعمال مع الحكومة أو لشراء المؤن والحاجيات الكبيرة . ويبدي أبناء المدن نفورا شديدا من أبناء الصحراء الغير متحضرين . لعل كره البدو « 4 » لحياة الاستقرار يوضح أيضا السبب في أنهم لم يتحدوا أبدا ويكوّنوا شعبا موحدا . ولا شك في أن الصحراء العربية الشمالية وبلاد ما بين النهرين يتنقل فيها منذ قديم الزمان سكان الخيام من الرعاة الرحل . فحسب الرواية التوراتية نزح إبراهيم مع جماعته من بلاد ما بين النهرين إلى الأراضي المقدسة والبحر الميت . وتشير الوثائق المتوفرة عن البدو الرحل من عرب الشمال إلى أنهم كانوا منذ القدم يعيشون حياة مشابهة لحياتهم اليوم . ومما له أهمية كبيرة في هذا الصدد أشعارهم التي تعود إلى ذلك الزمن القديم .
--> ( 1 ) انظر الفصل السادس أدناه ، ص 246 ؛ انظر أيضا الفصل الأول ، ص 29 وما بعدها . ( 2 ) نينوى وبابل ، ص 203 . ( 3 ) انظر الجزء الأول ، الفصل الخامس من هذا الكتاب ، ص 224 . ( 4 ) كلمة البدو ( مفردها بدوي ) تعني بالنسبة لي الرّحل الذين هم من أصل عربي .