ماكس فرايهر فون اوپنهايم
20
من البحر المتوسط إلى الخليج
نعلم ، الدفاع عن استقلالها وصد هجومين للرومان عليها . ولكن بعد ذلك اختفت الحضر فجأة من التاريخ « 1 » . من المستحيل أن يكون قد عاش هنا شعب يعمل في الزراعة « 2 » ، بل إن المدينة كانت على الأرجح مركزا تجاريا هاما مثل تدمر . كانت وسيطا للتجارة والمواصلات بين الخليج العربي ، أو بالأحرى العراق ، وبين آسيا الصغرى وكانت تسيطر دون شك على طرق القوافل في الجزيرة خارج منطقة النفوذ الروماني . لم يعبر أي أوروبي حتى الآن المنطقة الواسعة الواقعة بين الخابور الأوسط والأدنى والبليخ وهي غير معروفة كليا . ومن المرجح جدا أن الجزء الجنوبي من هذه المنطقة قاحل جدا مثل المنطقة الواقعة جنوب شرق سنجار والخابور . وينطبق الشيء نفسه على الجزء الجنوبي من سهل السروج ، أي المنطقة الواقعة بين البليخ ومجرى الفرات الذي يتجه هنا من الشمال نحو الجنوب . خلافا لذلك فإن الجزء الشمالي من بلاد ما بين النهرين وأيضا وديان البليخ والخابور ، الرافدين الوحيدين اللذين يحتويان على المياه في الصيف أيضا واللذين يصبان في الفرات في منطقة ما بين النهرين نفسها ، فإنها ذات خصوبة
--> ( 1 ) حاصر الإمبراطور تراجان ( 117 م ) والإمبراطور سبتيميوس سيفيروس ( 200 م ) المدينة ، لكنهما اضطرا إلى التراجع بعد معارك دامية . وعندما انسحب الجيش الروماني هاربا ( عام 363 م ) بقيادة جوفيان بعد وفاة الإمبراطور يوليانوس ، مغادرا دجلة عند دور وعابرا سهول ما بين النهرين إلى الحدود الرومانية ، وجد مدينة الحضر خاوية على عروشها . ذلك أن ملك الفرس سابور الأول ( 240 - 271 م ) كان قد دمرها قبل ذلك بمائة عام . ( 2 ) أعلمني الأب شيل بمناسبة انعقاد مؤتمر المستشرقين في باريس عام 1897 بأنه يوجد على مسافة قريبة شمال الحضر آثار قنوات تحت الأرض . إلا أن جاكوريل ( نفس المرجع السابق ، ص 351 ) أكد أنه لم يلاحظ أي قنوات في حقول الآثار العائدة لحضر نفسها . وحسب تقارير شاهد العيان آميانوس مرسيلينوس ( الكتاب 25 الفصل الثامن ) فقد استطاع جيش جوفيان بكامله التزود بما يحتاجه من مياه الشرب في عز فصل الصيف في الحضر . أما اليوم فلم يعد يوجد في الحضر ، وهذا ما أكده جميع الرحالة الأوروبيين خلال هذا القرن ، سوى مياه مالحة مرّة الطعم وغير صالحة للشرب .