ماكس فرايهر فون اوپنهايم
67
من البحر المتوسط إلى الخليج
تحمل طابعا شرقيا واضحا أكثر من بيروت وغير بعيدة كما هو الحال مع المدن الإسلامية الكبيرة النائية الأخرى مثل بغداد وفاس . تحيط بالمدينة المحصورة بين جبال لبنان الشرقية والصحراء « حديقة الجنة » ، الغوطة ، التي تستمد خصوبتها العالية من نهر بردى القصير المجرى الذي ينبع من الجبال القريبة من المدينة ويتفرع قبل الوصول إليها إلى سبعة أنهار تعبر المدينة وتحيط بها ، ثم يختفي في بحيرة العتيبة شبه المستنقعية إلى الشرق من دمشق . من المفهوم تماما أن العرب الذين يصلون إلى دمشق من جهة الشرق أو الجنوب بعد أسابيع ولربما أشهر من السير في الصحاري والبوادي يصفونها بأنها لؤلؤة أو قطعة من الجنة أو جوهرة ثمينة . لكن المدينة تبدو في أبهى صورها من جبل قاسيون الأجرد الذي يشمخ شمال غرب المدينة مباشرة إلى ارتفاع 500 متر . من هنا تبدو المدينة في الصيف ببيوتها المتلألئة وإكليل الحدائق الخضراء العريضة المحيطة بها وكأنها جزيرة فردوسية في وسط الصحراء . أما الجبال البركانية التي تغلق الأفق فهي بعيدة جدا ، وقرى السهل الأخرى مع بساتينها غير مهمة بما يكفي لزعزعة هذا الانطباع ، وإن كان في الحقيقة المحيط البعيد لدمشق خصبا جدا ويشبه في فصل آخر من فصول السنة سجادة خضراء مزروعة بالنباتات والزهور من مختلف الأنواع والأشكال . دمشق هي أقدم مدينة على وجه الأرض لم تزل مأهولة حتى اليوم . يرد أقدم ذكر لها في رسائل تل العمارنة « 1 » : « أيها الرب ، كما تمد دمشق ( تيمسغي ) في بلاد أوبه ( أي حوبه ، إلى الشمال من دمشق ، موسى 14 ، 15 ) يدها إلى قدميك ، تمد قطنا أيضا يدها إلى قدميك » « 2 » . عندما احتل الآشوريون بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، حاول قدشمان - خربه ملك بابل فتح طريق مباشر عبر البادية إلى الغرب ، أي إلى فينيقيا وموانئ البحر المتوسط لأن الطريق عبر حران لم تكن مفتوحة أمامه . قضى على السوتي ، سكان البادية العربية السورية آنذاك وبنى الحصون وحفر الآبار .
--> ( 1 ) انظر فينكلر في « مكتبة الكتابة المسمارية » ، الجزء الخامس ، ص 139 ، 63 . ( 2 ) إضافة إلى ذلك يرد ذكر تل عمارنة 142 ، 21 في مكان آخر مشوه .