ماكس فرايهر فون اوپنهايم
298
من البحر المتوسط إلى الخليج
الأمراض ولذلك كان يقصدها الناس . إلا أن نهضة المدينة والبدء في بناء تلك الصروح المعمارية ، التي لم تزل آثارها تثير إعجابنا حتى اليوم ، حدثت دون شك في فترة الاحتكاك الأول لتدمر مع الرومان ، أي في القرن الأخير قبل الميلاد . من بدايات بسيطة تحوّل التدمريون إلى وسطاء رئيسيين في التجارة بين الشرق والغرب التي أخذت تزداد تطورا كلما اتسعت الأمبراطورية الرومانية وكلما ازدادت حاجات العاصمة روما واشتد بذخها ورفاهها . كانت القوافل التجارية التدمرية تنقل الأقمشة الحريرية الناعمة والأحجار والمعادن الكريمة إلى جانب التوابل والمواد العادية الأخرى من الشرق الأقصى إلى سورية وروما . كانت البضائع تستلم في كاراكس - هيسباو سينيس ( الاسم التدمري : كراك إسباسينا ) عند مصب شط العرب في الخليج العربي أو في سلوقيا - كتيسيفون ، أو بالأحرى في فراث وفولوغوسياس ، وهما مدينتان تجاريتان فرثيتان على نهر الفرات « 1 » . فما يجري اليوم عبر قناة السويس كان في السابق يحدث بالدرجة الأولى على الطريق البرية عبر البادية السورية . وعلى هذه الطريق كان التدمريون يحتكرون « 2 » ، على مدى عدة قرون التجارة والنقل . كان أصحاب أكبر مواقع للمياه في منتصف الطريق بين سورية الحقيقية والفرات يعرفون جيدا كيف يستفيدون من خدمات القبائل البدوية في الصحراء السورية الذين كانوا ، بدافع مصلحتهم ، يقدمون للتدمريين مقابل أجر مناسب قطعان إبلهم الكبيرة ، التي كانت آنذاك وسيلة النقل الوحيدة في الصحراء ، لا بل وكانوا عند الضرورة يقفون إلى جانبهم في حالة الحرب . كان تنفيذ رحلات القوافل الطويلة يتطلب روح الإقدام وقدرا كبيرا من الطاقة ، وجعل من التدمريين شعبا تجاريا جريئا ولديه ميول حربية للدفاع عن مصالحه بقوة السلاح ضد أعداء أقوياء أيضا إذا اقتضى الأمر . وكان قادة « القوافل » ، أو بالأحرى جمعيات النقل التعاونية المنظمة ، قد أصبحوا الرجال
--> ( 1 ) انظر فوغييه ، كتابات سامية ، ص 9 . ( 2 ) هناك طريق ثان ولكنه أقل حركة كان يتجه من الفرات إلى البتراء وغزة ، وطريق ثالث ، ولكنه أطول جدا ، يصل الهند ببلدان الغرب عن طريق البحر الأحمر ثم عن طريق مصر .