ماكس فرايهر فون اوپنهايم

248

من البحر المتوسط إلى الخليج

نحو الشمال الغربي . بدأنا ننزل ببطء نحو الرحبة ونقترب بزاوية حادة من جبل الصفا . وبدأت تتضح شيئا فشيئا معالم الآثار الكثيرة للبيوت الحجرية الواقعة على أطراف المرتفعات ، وأخيرا ظهرت على بروز منخفض لجبل الصفا معالم القصر الأبيض . أمامنا في وسط الواحة كان يقع البيت الصغير الأبيض للشيخ سراق ، الولي المقدس في كامل المنطقة ؛ وصلنا إليه في الساعة العاشرة والنصف وأخذنا استراحة في ظل المزار البارد . كان بيتا حجريا بسيطا مربع الشكل مطليا بالكلس الأبيض وله باب منخفض ونافذتان صغيرتان في الجهة الشرقية . وكان قد غطي في العام الماضي بسطح حجري مسطح . وكانت الجدران الخارجية مزينة ببعض الحجارة المزخرفة المأخوذة من « القصر الأبيض » . في الداخل يوجد القبر الحجري للشيخ وقد علقت عليه كمية كبيرة من قطع القماش والخرق البالية ، إذ في كامل المنطقة لا يوجد مزار يحظى بمثل هذا التقديس . حتى مرافقيّ الدروز قدموا للشيخ سراق تبرعا ، فقد غطوا تماما بنفس الطريقة التي يتعامل بها المسلمون مع مزاراتهم - أجزاء كبيرة من القبر بأشرطة قماشية قطنية طويلة وملونة كانوا قد جلبوها معهم ملفوفة بعناية في قطع قماشية ، ثم داروا حول الضريح وقبّلوه . أما أنا فما أردت أن أكون أقل كرما وتبرعت للقبر بمنديل جيبي الذي يحمل توقيعي . وتروى عن الشيخ المدفون هنا حكاية تقول إنهم دفنوه في بادئ الأمر في الصفا لكنهم شاهدوه بعد ذلك ثلاث مرات في مكان ضريحه الحالي ولذلك نقلوا رفاته إلى المكان الحالي الذي اختاره هو بنفسه . ويقال بأن الولي الميت صرخ قائلا : « الصفاة هي جهنم والرحبة هي الجنة . وأنا استحقيت الجنة » . ولم تزل الصفاة حتى اليوم تسمى جهنم وتسمى الرحبة الجنة . ويعتبر الشيخ سراق حامي الرحبة ؛ فمن يأكل ثمرة من الثمار التي تنبت قرب قبره ، سواء أكان إنسانا أم حيوانا ، يعاقب على ذلك بالموت . ويثق جميع البدو بأنه يحمي الممتلكات من السرقة أو الضياع ويخبئون في جدرانه حتى نقودهم ، وقد أكد لي أحدهم أنه وجد بعد سنوات النقود التي وضعها هنا دون أن يتعرض لها أحد . وقد وجدنا هناك فعلا كثيرا من الأشياء : عباءات ، وأدوات منزلية ، ومشمعات خيام ، وغير ذلك .