ماكس فرايهر فون اوپنهايم

184

من البحر المتوسط إلى الخليج

ولكن بعد أقل من عامين وقعت مجددا نزاعات دامية بين الدروز والموارنة في لبنان . هذه المرة أرسل الباب العالي شكيب أفندي من القسطنطينية إلى مسرح الاضطرابات . قام شكيب أفندي بعزل الأمير أحمد عباس أرسلان من منصبه وعين مكانه الأمير الأذكى أمين أرسلان رئيسا للقضاء الدرزي . انتهت العداوة بانتصار الدروز وعاد السلام إلى لبنان . في عام 1859 م توفي الأمير أمين أرسلان وعين مكانه ابنه الذي كان رجلا مثقفا خضع لتربية نصف أوروبية ، وكان يتكلم لغات أجنبية ويؤلف الكتب ، لكنه لم يكن رجلا محاربا . بعد وقت قصير اندلع النزاع مجددا بين الدروز والموارنة . كان على رأس الحركة المارونية الأسقف المخادع وذو النفوذ الواسع طوبيا في بيروت الذي كانت علاقاته الجيدة مع القنصلية الفرنسية معروفة للجميع . كان قائمقام لبنان الشمالي في ذلك الوقت الأمير بشير أبي اللمع الذي خلف أحمد أبي اللمع . هذا الثالوث « 1 » المؤلف من القنصل العام الفرنسي والأمير أبي اللمع والبطريرك الماروني عزز النفوذ المسيحي في سورية فترة طويلة من الزمن إلى درجة أن السكان المسلمين في بعض المناطق شعروا بأنهم مهددون وسعوا إلى التحالف مع الدروز . إلا أن اتحاد الدروز والمسلمين دفع الملكيين إلى الوقوف إلى جانب الموارنة على الرغم من أنهم عانوا الكثير من غرورهم وعدم تسامحهم وخاصة في زحلة « 2 » . وهكذا أصبح الآن جميع مسيحيي لبنان في حالة استنفار . قدّر المسيحيون عدد رجالهم في الجبل بما لا يقل عن 000 ، 60 مسلّح بينما قدروا عدد القوات الدرزية بأقل من 000 ، 13 رجل . عندما وقع الصدام بعد وقت قصير وقفت الحكومة التركية في بادئ الأمر على الحياد المحسوب بمنتهى الدقة . كان الدروز في نهاية المطاف هم المنتصرون في هذه المعارك وذلك بفضل انضباطهم العسكري الذي ألغى العلاقة الاقطاعية بين الشيخ وأتباعه وحقق الطاعة العمياء للقائد والاستعداد للتضحية غير المشروطة . رغم ذلك انتهى اختبار القوى الدامي بهزيمة سياسية للدروز وأدى إلى تغيير الظروف السائدة في لبنان تغييرا كاملا .

--> ( 1 ) انظر تشرتشل ، نفس المصدر السابق ، ص 119 ، 121 ، 125 . ( 2 ) انظر جول فيريته في مجلة العالمية ، الجزء 28 ، باريس 1860 م ، ص 1009 .