علي بن موسى الغرناطي الأندلسي

94

المغرب في حلي المغرب

وكان رواية عن الأوزاعي لا يتقلّد مذهبا ، ويقضي بما يراه صوابا ، وكان خيّرا ، وسجّل على أحد رجال الأمير هشام في دار أخرجه عنها ، فشكاه إلى الأمير ، وطمع أن يأمره بحلّه فقال الأمير : واللّه لو سجل عليّ في مقعدي هذا لخرجت عنه . أقرّه الحكم بعد أبيه هشام حتى مات مصعب . 76 - أبو بكر محمد بن بشير المعافري « 1 » من كتاب ابن عبد البر : أنه ولاه الحكم بعد وفاة مصعب ، وهو من أهل باجة ، رحل ، وحج ، وسمع علما كثيرا . كان يكتب لأحد الوزراء ، فأشار به على الحكم فاستدعاه ، فمرّ في طريقه بعابد كان له صديقا ، فأخذ معه في أمره ، فقال له العابد : اصدقني في ثلاثة أسألك عنها : كيف مدح الناس وذمّهم من قبلك ؟ وكيف حبّك في أن يخدمك الفتيان ، وتكثر بين يديك الألوان ؟ وكيف حبّك للباس الحسن وركوب الفاره ؟ فقال ابن بشير : أما مدح الناس وذمّهم فما أبالي من مدحني أو ذمّني في اللّه عز وجل ، وأما أن تخدمني الفتيان وتكثر بين يدي الألوان فما أجد قلبي يتوق إلى ذلك ولا يشتهيه ، وأما الركوب واللباس فما أفضّل على ملبسي ومركوبي شيئا سواه أبدا ، قال : فأقبل القضاء ولا بأس عليك . فلما وصل قبل القضاء على ثلاثة شروط : نفاذ الحكم على كل أحد ، وإذا ظهر له العجز من نفسه أعفي ، وأن يكون رزقه من الفيء . وكان يدخل المسجد ، وعليه رداء معصفر ، وحذاء صرّار ، ولمّة مسرّحة مدهونة ، فيخطب على المنبر ، فإذا رام أحد من دينه شعرة فالثّريّا أقرب إليه . وكان لا يجالسه أحد إذا قعد للقضاء ، ولا يكالمه ، ولا يسايره ، ولا يخلو به في داره ، وله طوابع من وقف عليها بادر إلى مجلس الحكم . واحتاج سعيد الخير بن عبد الرحمن الداخل إلى شهادة سلطان الأندلس الحكم وهو ابن أخيه ، فردّها القاضي ، فركب إلى ابن أخيه وقال : اليوم ذهب سلطاننا من الأندلس ، قاضيك الذي ولّيته يرد شهادتك ، فقال : القاضي رجل صالح فعل ما يجب عليه ولست أعارضه . وأوّل سجلّ سجّل به على الوزير الذي سعى في ولايته ، فشكاه إلى الحكم ، فقال له : أنت اخترته ، ولكن امضي إليه في منزله . فإن أوصلك إلى نفسه ، وخرج إليك فقد جعلت عزله بيدك ، فلما استأذن عليه خرج إذن القاضي بأن يصل إلى مجلس الحكم ، ورجع الوزير خائبا . فأرسل له :

--> ( 1 ) انظر ترجمته في التكلمة لابن الأبار ( ص 90 ) وقال المقري : هو القاضي الشهير محمد بن بشير ، وهو محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل ، المعافري نفح الطيب ( ج 2 / ص 358 / 362 ) . وترجمته في قضاة قرطبة ( ص 73 ) وتاريخ قضاة الأندلس ( ص 47 ) والذيل والتكملة ( ص 208 ) والتكملة ( ص 355 ) . وتوفي القاضي محمد بن بشير سنة 198 ه قبل الشافعي بست سنين .