علي بن موسى الغرناطي الأندلسي

23

المغرب في حلي المغرب

ولما دخل القصر بعد تمنّع من البوّاب ، وتمّ له الأمر ، تلقاه بحزم ، ولم يختلف عليه أحد من جلّة أقاربه . قال صاحب الجذوة « 1 » : كان محمد محبّا مؤثرا لأهل البيت الحديث ، عارفا ، حسن السّيرة ، ولما دخل الأندلس أبو عبد الرحمن بقي « 2 » بن مخلد بكتاب أبي بكر بن أبي شيبة « 3 » ، وقرىء عليه ، أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف ، واستشنعوه ، وبسطوا العامة عليه ، ومنعوا من قراءته ، إلى أن اتصل ذلك بالأمير محمد ، فاستحضره وإياهم ، واستحضر الكتاب كله ، وجعل يتصفحه جزءا جزءا ، إلى أن أتى على آخره ، وقد ظنوا أنه موافقهم على الإنكار عليه ، ثم قال لخازن الكتب : هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه فانظر في نسخه لنا ، ثم قال لبقي بن مخلد : انشر علمك ، وارو ما عندك من الحديث ، واجلس للناس حتى ينتفعوا بك . فنهاهم أن يتعرضوا له . وكان محمد قد فوّض أمور دولته لهاشم بن عبد العزيز أعظم وزرائه ، واشتمل عليه اشتمالا كثيرا ، وكان هاشم تيّاها ، معجبا ، حقودا ، لجوجا ، فأفسد الدولة . وكان يقدّمه على العساكر ، فخرج مرة إلى غرب الأندلس ليقمع ما هنالك من الثوّار ، فأساء السيرة في الحركة والنزول والمعاملة مع الجند ، فأسلموه ، وأخذ أسيرا ، ثم افتدي بأموال عظيمة . وأنهضه مرّة مع ابنه المنذر إلى ثغر سرقسطة ، فأساء الأدب معه حتى أحقده وأتلف محبّته لما صارت السلطنة إليه ، وثارت الثوار في الأندلس بسببه . وما مات محمد حتى خرقت الهيبة ، وزال ستر الحرمة ، واستقبل ابنه المنذر ثم عبد اللّه نيران الفتنة ، فأصلتهما مدة حياتهما إلى أن خمدت بالناصر عبد الرحمن . وكانت وفاة السلطان محمد في آخر صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين . 4 - ابنه أبو الحكم المنذر بن محمد « 4 » ولي بعد أبيه ، فلم تكن له همة أعظم من خداع وزير أبيه هاشم بن عبد العزيز إلى أن وثب عليه ، وسجنه وأثقله بالحديد ، وذكره ما أسلفه من ذنوبه الموبقة ، ثم أخرجه ، وأتى به إلى دار

--> ( 1 ) أي كتاب جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس - للإمام الحافظ أبي عبد اللّه محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي المتوفى سنة 488 ه . كشف الظنون ( ج 1 / ص 581 ) . ( 2 ) هو بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي ، توفي سنة 276 ه له ( تفسير القرآن ) . كشف الظنون ( ج 5 / ص 233 ) . ( 3 ) لعله : محمد بن عثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة 297 ه له ( كتاب السنن في الفقه ) كشف الظنون ( ج 6 / ص 23 ) . ( 4 ) ترجمته في نفح الطيب ( ج 1 / ص 338 ) وتاريخ ابن خلدون ( ج 4 / ص 287 / 288 ) وتاريخ افتتاح الأندلس ( ص 113 - 114 ) وأخبار مجموعة ( ص 132 ) والحلة السيراء ( ص 65 ) .