علي بن موسى الغرناطي الأندلسي
18
المغرب في حلي المغرب
2 - ابنه أبو المطرّف عبد الرحمن بن الحكم من المقتبس : هو بكر والده . مولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة . عمره اثنتان وستون سنة . دولته إحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر وستة أيام . وفاته بقرطبة ليلة الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين . ذكر ابن حزم في نقط العروس : أن ولده مائة ، النصف ذكور . عني أبوه بتعليمه وتخريجه في العلوم الحديثة والقديمة . ووجّه عباس بن ناصح إلى العراق في التماس الكتب القديمة ، فأتاه بالسّند هند وغيره منها ، وهو أول من أدخلها الأندلس وعرّف أهلها بها ونظر هو فيها . وكان حسن الوجه بهيّ المنظر . ومن بديع التّعارض في كماله نقص ولادته ، لأنه ولد لسبعة أشهر . وكان من أهل التلاوة للقرآن والاستظهار للحديث . وأطنب في ذكره في العلوم وأنه كان يداخل كل ذي علم في فنه . وهو أول من فخّم السّلطنة بالأندلس بأمور يطول ذكرها ، من انتقاء الرجال والمباني وغير ذلك . وهو الذي بنى جامع إشبيلية وسورها . وتولّع جواريه ببناء المساجد وفعل الخير . وهو الذي ميّز ولاية السوق عن أحكام الشّرطة المسماة بولاية المدينة ، فأفردها ، وصيّر لواليها ثلاثين دينارا في الشهر ولوالي المدينة مائة دينار . وكان يقال لأيامه أيّام العروس . واستفتح دولته بهدم فندق الخمر وإظهار البرّ . وتملّى الناس معه العيش ، وخلا هو بلذاته ، وطال عمره وفشا نسله . وقال الرازي : إنه الذي أحدث بقرطبة دار السّكّة ، وضرب الدراهم باسمه ، ولم يكن فيها ذلك مذ فتحها العرب . وفي أيامه أدخل للأندلس نفيس الجهاز من ضروب الجلائب لكون ذلك نفق عليه ، وأحسن لجالبيه . ووافق انتهاب الذخائر التي كانت في قصور بغداد عند خلع الأمين فجلبت إليه ، وانتهت جبايته إلى ألف ألف دينار في السنة . وهو الذي اتخذ للوزراء في قصره بيت الوزارة ، ورتب اختلافهم إليه في كل يوم يستدعيهم معه أو من يختصّ منهم ، أو يخاطبهم برقاع فيما يراه من أمور الدولة . وكان سعيدا . قال ابن مفرج : ما علمنا أنه خرج عليه مع طول أيامه خارج ، خلا ما كان من موسى بن موسى « 1 » بن قسي بناحية الثغر الأعلى . ولم يشغله النعيم عن وصل البعوث إلى دار المغرب . وكان مكرّما لأصناف العلماء محسنا لهم ، وكان يخلو بكبير الفقهاء يحيى بن يحيى كثيرا ويشاوره ، وسرق بعض صقالبته بدرة فلمحه ، ولما عدّت البدر نقصت ، فأكثروا التنازع فيمن أخذها ، فقال السلطان : قد أخذها من لا يرّدها ورآه من لا يفضحه ، فإياكم عن العودة لمثلها فإن كبير الذنب يهجم على استنفاد العفو ، فتعجّب من إفراط كرمه وحيائه .
--> ( 1 ) عامل على تطيلة ، قاد العساكر إلى أرض الفرنجة . ترجمته في نفح الطيب ( ج 1 / ص 332 ) .