علي بن موسى الغرناطي الأندلسي
16
المغرب في حلي المغرب
من قرطبة ، فلحق جمهور منهم بطليطلة وكاتبوا مهاجر بن القتيل الذي كان قد لحق بدار الحرب ، وولّوه عليهم ، وصار معه نحو خمسة عشر ألفا في البحر إلى الإسكندرية ، وتقاتلوا مع أهلها فأنزلهم عبد اللّه « 1 » بن طاهر جزيرة إقريطش « 2 » ، وكانت حينئذ خالية ، فعمروها . وكان في حبس الحكم يومئذ شبريط . صاحب وشقة « 3 » ، وهو ابن عم عمروس صاحب الثغر الأعلى ، فلما سمع بثورة الناس قال : أهي غنم ؟ لو كان لها راع ! كأني بهم قد مزّقوا ، فأمر الحكم بصلبه وأغرب الحكم في بأساء حربه هذه عندما حمي وطيسها بنادرة ما سمع لأحد من الملوك بمثلها ، وذلك أنه في مقامه بالسطح وعند بصره باشتداد الحرب دعا بقارورة غالية فجاءه بها خادم له ، فأفرغها على رأسه ، فلم يملك الخادم نفسه أن قال له : وأيّة ساعة طيب هذه ؟ فقال : اسكت لا أمّ لك ! ومن أين يعرف قاتل الحكم رأسه من رأس غيره ، ثم أعتق مماليكه ، ووالى الإحسان عليهم ، وجعل يقول : ما استعدت الملوك بمثل الرجال ، ولا حامى عنها كعبيدها . وكان ممن هرب من أهل الرّبض إلى طليطلة الفقيه يحيى بن يحيى « 4 » ، ثم أمّنه الحكم . وكان منهم طالوت بن عبد الجبار المعافري « 5 » أحد من لقي مالك بن أنس ، استخفى عند يهودي أحسن خدمته ، ثم انتقل إلى الوزير الإسكندراني « 6 » واثقا به ، فسعى به إلى الحكم ، وأمكنه منه ، فوجده أغلظ ما كان عليه ، فلما قرّر عليه ذنوبه قال له : إني أبغضتك للّه وحده ، فلم ينفعك عندي ما صنعته معي ، وأخبره ما جرى له مع اليهودي والوزير ، فرقّق اللّه قلبه عليه ، فقال له : إن الذي أبغضتني من أجله قد صرفني عنك ، ونقص الإسكندرانيّ في عين الحكم . قال : ولقد بلغ من استخفاف أهل الرّبض بالحكم أنهم كانوا ينادونه ليلا من أعلى صوامعهم : الصلاة الصلاة يا مخمور . ولم يتملّ بالعيش بعد هذه الوقعة من علّة طاولته أربعة أعوام ، فمات نادما مستغفرا . وكان مما نعوه عليه أن جعل العشر ضريبة على الناس بعد أن كان مصروفا إلى أمانتهم . سنة ست ومائتين بايع الحكم لابنيه بالعهد : عبد الرحمن ثم المغيرة ، فانخلع المغيرة لأخيه ومات مكرّما في
--> ( 1 ) عبد اللّه بن طاهر صاحب مصر للمأمون ابن الرشيد . نفح الطيب ( ج 1 / ص 327 ) . ( 2 ) جزيرة إقريطش : جزيرة كبيرة في بحر المغرب . معجم البلدان ( ج 1 / ص 236 ) . ( 3 ) وشقة : مدينة في شمال شرقي إسبانيا فتحها العرب سنة 713 ثم استعادها الإسبان سنة 1096 . المنجد في اللغة والأعلام ( ج 2 / ص 742 ) . ( 4 ) سيترجم له ابن سعيد في هذا الجزء ( ص 163 ) . ( 5 ) ترجمته في الذيل والتكملة ( ج 4 / ص 150 ) ، وتاريخ افتتاح الأندلس ( ص 70 ) ونفح الطيب ( ج 1 / ص 327 ) . ( 6 ) هو الوزير عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني . ترجمته في نفح الطيب ( ج 5 / ص 85 ) .