لسان الدين ابن الخطيب
62
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
وثيقة تاريخية يعتمد عليها إلى حد بعيد - وبخاصة إذا اعتبرنا قلة المراجع التاريخية التي تناولت العصر الذي عاشه ابن الخطيب ، وذلك في أخبار كل من الأندلس والمغرب - الا أنه لا ينبغي أن نغفل الدوافع الشخصية ، والنزعات النفسية للمؤلف أيا كان ، فهذه وتلك لابد وأن يحسب حسابهما ، ويقام وزنهما ، في تقييم مثل هذه الوثيقة التاريخية ، لرجل وزير كابن الخطيب ، قضى حياته بين تيارات السياسة ، تتنازعه الأهواء والدوافع ، يعطف على مسلكة البعض ، وينقم على خطته البعض الآخر ، وبالتالي يكون اتجاهه متباينا نحو كليهما ، وما يصدق على الافراد يصدق على مجموعة منها تؤلف بلدا أو مدينة . وللتدليل على هذا التأثر النفسي عند الكاتب ، وانعكاسه على ما يحرره ، نذكر أن ابن الخطيب نفسه قد صب جام غضبه على مدينة سلا المغربية ، في رسالته المسماة « مفاخرات بين مالقة وسلا » ، رغم أنه أقام بها طيلة فترة النفي الأولى ، قرابة ثلاث سنوات ، واحتوته عزيزا مكرما ، ولكن كان قد حدث احتكاك بينه وبين بعض الفقهاء من أهل هذه المدينة ، الامر الذي ساقه إلى تأليف رسالة خاصة ، في النيل من هؤلاء الفقهاء ، وهي المسماة « مثلي الطريقة ، في ذم الوثيقة » ، في أسلوب يفيض اقذاعا ونيلا غير كريم من الخصوم ، وعليه - بالتالي - فلم يكن من المنتظر أن يرتفع ابن الخطيب بمدينة سلا في المفاخرات مع مالقة . فنخلص من هذا إلى أن ابن الخطيب لم يسلم - إلى حد ما - من تحامل في وصفه لبعض المدن الأندلسية والمغربية في كتابه « معيار الاختيار » ، وبخاصة عندما كان يتناول أحوال سكانها الاجتماعية . بيد أن هذا التحامل الضئيل المفترض لن يطغى بحال على ما للكتاب من قيمة تاريخية كبرى ، ولا يمنع الدارسين لتاريخ المغرب والأندلس - في الفترة التي عاصرها ابن الخطيب - من الاستفادة من « معياره »