لسان الدين ابن الخطيب

60

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

ثم رجع إلى المغرب مرة أخرى ، ولكن منفيا مع سلطانه المخلوع المغنى بالله ابن الأحمر ، وذلك في محرم 761 - 1359 م ، وفي هذه المرة مكث بالمغرب ثلاث سنوات تقريبا ، كما أشرنا إلى ذلك في موضعه ، وفي تلك الأثناء زار بعض المدن المغربية ، ودون بعض رحلاته يومئذ في كتابه المعروف باسم « نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب » ، الذي وضعه بالمغرب مع بعض الكتب الأخرى ، التي منها كتابنا « معيار الاختيار » . وأخيرا استقر ابن الخطيب بالمغرب حينما فر من الأندلس ، حيث شعر بما يدسه له خصومه عند السلطان الغنى بالله ، على نحو ما هو معروف من تاريخ مأساة هذا الوزير ، فوصل المغرب عام 773 ه - 1371 م ، وبقي به حتى نكب وقتل عام 776 ه - 1375 م . فهذه ثلاث زيارات قام بها المؤلف للمغرب ، سفيرا ، فمنفيا ، ففارا ناجيا بحياته أخيرا ، وتعتبر فترة النفي - من بين هذه الزيارات الثلاث - فترة البحث والدرس والتأليف عند ابن الخطيب ، فقد منح الرواتب وأقطع الأراضي ، واستقرت نفسيته إلى حد سمح له بمواصلة تآليفه . أما المرة الأولى فكان وقتها أضيق من أن يتسع للتجوال عبر المدن المغربية ، فهو حينئذ سفير منوط به أمر رسمي ، وذو قيود وحدود مرسومة . وأما في المرة الأخيرة حيث استقر نهائيا بالمغرب ، فنرجح أن ابن الخطيب لم يتجه كثيرا للبحث والتدوين ، فقد كانت الهزات السياسية بالمغرب تتناوشه ذات اليمين وذات الشمال ، بفضل مواصلة خصومه - بغرناطة - السعي في القضاء عليه ، وعلى رأسهم سلطانه القديم « الغنى بالله » والذي تأثر إلى أبعد حد بسعاية هؤلاء الخصوم ، ومع هذا فقد ألف ابن الخطيب ابان هذه الفترة كتابه « أعمال الاعلام ، فيمن بويع قبل الاحتلام ، من ملوك الاسلام » ، استجابة للظروف الجديدة التي أملت عليه اصدار هذا المؤلف .