لسان الدين ابن الخطيب

49

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

منهج ابن الخطيب في الكتاب عندما كتب ابن الخطيب مؤلفه « معيار الاختيار » اختط في التحرير طريقة خاصة ، تختلف عن معظم كتاباته في مؤلفاته الأخرى ، ذلك أنه بدأ بمقدمة معتادة أعقبها بمحاورة ، ثم انتهى إلى صميم الموضوع ، فقسمه إلى مجموعتين مستقلتين ، وأدرج كل مجموعة تحت مجلس خاص ، وقصر المجلس الأول على المدن الأندلسية ، ثم أعقبه بالمجلس الثاني فقصره على المدن المغربية . وهكذا بدأ المؤلف كتابه في المجلس الأول ، بما جرت به عادة المؤرخين والمؤلفين المسلمين ، وذلك بحمد الله تعالى ، والثناء عليه بما هو أهله ، والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم ، كل هذا في قالب يتناسب والموضوع الذي يتعرض له ، وهو وصف البلدان . ثم ثنى بأن الانسان مدنى اجتماعي بطبيعته ، لا يستقيم حاله بدون مجتمع ، وبالتالي لا يقوم المجتمع بدونه ، وأنه - أي الانسان - أحيانا يتخذ سكناه حسبما اتفق ، وأحيانا يكون له ظرف الاختيار ، مرجحا من الأمكنة ما غلبت حسناته على سيئاته ، وهذه الأمكنة « كثيرا ما تنافر إلى حكمها النفر ، وأعمل السفر » ، وأيا كان ، فإنه لا توجد مدينة قد كملت من كافة النواحي كما يقول . وبعدئذ يتحدث المؤلف عن خبر في قالب قصة ، فهناك راو استهواه مكان ما ، فنزل به حتى حل المساء ، وحينئذ أبصر شيخا معه تلميذه وحماره ، وما استقر المقام بذلك الشيخ حتى حن إلى صباه ، وضاق بمرارة المشيب ، وقسوة الغربة ، وشعوره بأن نفسه لم تتب بعد ، وأخيرا يسأل الله العفو والغفران ، والقربى من رحمته يوم الحساب ، معتمدا في إجابة سؤله على شفاعة شيبه ، ثم تدور مناقشة بين الشيخ وفتاه ، وعندها ينبرى الشيخ ، فيحدثنا عن مدى خبراته في أمور شتى