لسان الدين ابن الخطيب

18

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

يعلل فيها مسلكه هذا ، ويبرر تصرفه الاضطراري ، وأخيرا يطلب غفرانه ، راجيا عونه لأسرته التي خلفها وراءه في غرناطة . وصل ابن الخطيب إلى سبتة ومنها التحق بتلمسان ، مقر السلطان عبد العزيز الذي احتفى به وأكرمه ، ثم بعث بسفرائه إلى غرناطة ، يلتمس من سلطانها ان يجيز أسرة ابن الخطيب ، فأجابه ابن الأحمر إلى طلبه ، وكان ذلك عام 773 ه - 1371 م . وكان من المتوقع أن يهنأ ابن الخطيب بهذا المقام بالمغرب ، فالسلطان قد أحله مكانته اللائقة به ، وأبدله مما فقد الشيء الكثير ، ولكن - للأسف - اتخذ منافسوه بغرناطة من هربه - على هذه الصورة - مادة دسمة للكيد ، وأكدوا للسلطان محمد الخامس ابن الأحمر ادانته ، وعدم وفائه لولى نعمته ، وزاد الاتهام تأكيدا أن ابن الخطيب كان حريصا على أن يحمل معه أمواله وذخائره إلى المغرب ، وفى هذا يخاطب القاضي النباهى غريمه - في الرسالة المعروفة التي بعث بها اليه : « فهمزتم ولمزتم ، وجمعتم من المال ما جمعتم ، . . . ، ثم هربتم بأثقالكم » « 9 » . كان القاضي النباهى فيما سبق من أنصار الوزير ابن الخطيب ، بل إن تعيينه قاضيا للجماعة واستصدار ظهير هذا المنصب قد تم على يدي ابن الخطيب نفسه ، كما نجد في كتاب الإحاطة ترجمة للنباهى تنبئ عن تقدير ابن الخطيب لهذا الرجل ؛ إذ ينعته بأنه « قريع بيت مجادة وجلالة ، وبقية تعين وأصالة ، عف النشأة ، طاهر الثوب ، مؤثر للوقار والحشمة ، بعيد الغور ، مرهف الجوانب ، ناظم ، ناثر ، نثره يشف عن نظمه ، ذاكر للكثير ، بعيد المدى في باب النزاهة ، ماضي غير هيوب . . . الخ » ، ولكن ذلك « النباهى » تنكر تماما لابن الخطيب ، ولم يحفظ له هذا الجميل ؛ فقد آزر الوزير « ابن زمرك » ضده ، وسعى سعيا حثيثا في سبيل القضاء عليه ، وتتجلى هذه الروح الشريرة ، وما يمليه الحقد الشخصي ، والضغائن الدفينة ، في تلك

--> ( 9 ) المقرى في « نفح الطيب » ج 7 ص 56 .