لسان الدين ابن الخطيب
15
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
لم تطل هذه النكبة بابن الخطيب ، فقد بعث ملك المغرب السلطان أبو سالم سفيره ( الشريف أبا القاسم التلمساني ) إلى ملك غرناطة الجديد ، يطلب اليه أن يسمح للملك المخلوع ( الغنى بالله ) ووزيره ابن الخطيب بمغادرة الأندلس إلى المغرب ضيفين عزيزين ، فرضخ سلطان غرناطة لهذا الطلب ، سياسة منه في الابقاء على أواصر الوداد مع بنى مرين ، واحتفاظا بهم سندا لمستقبل الدولة الاسلامية بالأندلس . ولهذا أطلق سراح ابن الخطيب ، ولحق بسلطانه ، حيث لجأ إلى وادى آش ، ومن ثم إلى المغرب ، ومعهما نفر كبير من الحاشية ، فوصل الركب فاس في محرم 760 ه ( ديسمبر 1358 م ) حيث استقبلهما السلطان أبو سالم استقبالا حارا ، واحتفل بقدومهم احتفالا عظيما ، وألقى ابن الخطيب في هذه المناسبة - بين يدي المضيف - قصيدته الشهيرة « 6 » ، يستنصره ويستصرخه ؛ ليعين سلطانه على أمره . ويشهد ابن خلدون المؤرخ ذلك الحفل - بصفته من كبار رجال البلاط المرينى - فيصفه لنا ويقول : « إن ابن الخطيب استولى على سامعيه ، فأبكاهم تأثرا » . هذا وقد طاب العيش لابن الخطيب بالمغرب في رعاية السلطان « أبى سالم » ، الذي أقطعه الأراضي ، ورتب له الرواتب ، حيث استقر في مدينة « سلا » « 7 » حوالي ثلاثة أعوام منفيا 760 - 763 ه ( 1358 - 1361 م ) ، اقتنى خلالها الضياع والأموال ، ولكن لم ينس - في الوقت نفسه - نزعته الثقافية والتأليفية ، فجاس خلال مدن المغرب دارسا باحثا ، ملتقيا بالعلماء في تجواله ، وفي نهاية المطاف يرجع إلى سلا ، حيث يرابط بضاحية « شالة » ، قرب أضرحة ملوك بنى مرين .
--> ( 6 ) نفح الطيب للمقرى ج 3 ص 46 - 48 ، أزهار الرياض لنفس المؤلف ج 1 ص 197 - 200 وهي ثمانون بيتا . ( 7 ) سنعرف أيضا بهذه المدينة من بعد في مناسبة وصفها .