محمد العامري الغزي

84

المطالع البدرية في المنازل الرومية

وتعارفنا في ذلك المكان بالقاضي كمال الدّين التادفي قاضي « 1 » حلب ، ثم مكّة كان فوجدنا عنده لطافة وحشمة وظرافة ، ثم صار بيننا وبينه أكد صحبة وأشد مودة ومحبة ، ثم استقبلنا من ذلك [ المحل و « 2 » ] المركز ، العقبة المعروفة بعقبة المركز ، وهي عقبة طويلة مديدة صعبة وعرة شديدة ، تقطع الأسباب ، وتخلع الألباب ، وتذكر بالصراط والميزان والحساب ، كأنما الخطابيّ « 3 » عناها بقوله : [ من الطويل ] سلكت عقابا في طريقي كأنها * صياصي ديوك أو أكف عقاب وما ذاك إلّا أنّ ذنبي أحاط بي * فكان عقابي في سلوك عقاب « 4 » ورأينا في طيّها معدن الدّهنج ، وجبالا من آس عرف طيبها يتأرج ، وغياض ماؤها سلسبيل وطلها سجسج ، ورياض سقفها مفوف وبساطها مدبج ، وقفار نيران حرّها يتوهّج ، وسمومها يلفح الوجوه ويلفج ، وسبل وعرة المدرج عسرة المنهج ، يضيق الصدر من حزونها « 5 » ويحرج ، فلم نزل نرقى ربوات يخيل لراقيها أنه لامس النجوم ، ونهبط وهدات [ 37 أ ] يظن « 6 » من هوى فيها أنه لابس التخوم ، ونسلك مسالك كالصراط إلّا أنه غير المستقيم ، يضل العقل فيها ويتحير ويهيم ، ويقاسي القلب من هولها العذاب الأليم ، وقد اشتدّت حمارّة القيظ ، والنفوس من جواز تلك العقبة الكؤود تكاد تميز

--> ( 1 ) سقطت كلمة « قاضي » من ( ع ) . وكمال الدّين التادفي هو : محمد بن يوسف بن عبد الرحمن المتوفى سنة 956 ه ، انظر ترجمته في : الكواكب السائرة 2 : 63 - ، شذرات الذهب 10 : 449 ، إعلام النبلاء 5 : 523 - 528 . ( 2 ) ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل وعوضناها من ( م ) و ( ع ) . ( 3 ) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو سليمان الخطابيّ . ( 4 ) البيتان في يتيمة الدهر 4 : 336 . ( 5 ) الحزون : جمع حزن ، ما غلظ من الأرض . ( 6 ) وردت في ( ع ) : « نطق » .