محمد العامري الغزي
73
المطالع البدرية في المنازل الرومية
صارت قنّسرين مضافة إلى حلب في أيام بني العباس [ 30 ب ] ، وافتتحت في سنة ست عشرة من الهجرة ، وقيل سبع عشرة وقيل خمس عشرة ، وبينها وبين قنّسرين اثنا عشر ميلا تزيد أو تنقص قليلا ، وهي من « 1 » الإقليم الرابع أعدل الأقاليم إقليما ، ولذلك أهلها أنضر الناس وجوها ، وأصحّهم جسوما ، وقبلتها موافقة لقبلة دمشق الشّام ، ولها من الكور والضياع العظام ما يجمع سائر الغلات النفيسة كالفستق وحبة الخضراء والزيتون والتين ، وكانت من أكثر البلاد أشجارا وأحسنها بساتين ، فأفناها كثرة وقوع الخلاف « 2 » بين الملوك والسّلاطين . وقلعتها حصينة مانعة شامخة عالية واسعة ، يعجز عن مثلها الرائد ، وتمتنع على الطالب والقاصد ، تكاد تناطح نجوم الجوزاء وتتجاوز كرة الهواء وتناجي أبراجها بروج السماء ، ويحيط بها خندق عظيم مملوء على الدوام ، وبها بباب المقام بها مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وبها كتابات قديمة رومانية من ذلك ما على الرخامة [ 31 أ ] البيضاء التي هي الآن بالمدرسة الحلاوية « 3 » ، وهي شفافة إذا جعل تحتها نور ظهر من أعلاها أو جعل في أعلاها بان من أدناها ، وعليها كتابة سريانية عرّبت ، فإذا هي : « عمل هذا للملك قلطيانوس « 4 » والنسر الطائر في رابع عشر درجة من برج العقرب » ، فيكون مقدار ذلك إلى تعريبه ثلاثة آلاف سنة ، وهذا اللوح أحضره السّلطان الملك العادل نور الدّين الشهيد من فامية « 5 » ، وكان يحشي فيه القطايف للفقهاء ، وطوله يزيد على ثلاثة أذرع ، وعرضه على ذراعين ، وقد بذل الفرنج فيه مالا جزيلا فلم يجابوا إليه . ومن محاسنها جبل
--> ( 1 ) سقطت كلمة « من » من ( ع ) . ( 2 ) سقطت كلمة « الخلاف » من ( ع ) . ( 3 ) المدرسة الحلاوية بحلب كانت إحدى الكنائس التي بنتها هيلانة أم قسطنطين ، وعرفت بالكنيسة العظمى ، حولها القاضي يحيى بن الخشاب سنة 518 ه إلى مسجد عرف بالسراجين ، ثم حولها نور الدين زنكي سنة 543 ه إلى مدرسة ، وجعل بها مساكن للفقراء . ( معادن الذهب 160 ) . ( 4 ) وردت في ( ع ) : « قليطيانوس » . ( 5 ) فامية : مدينة كبيرة من سواحل حمص ، وقد يقال لها أيضا أفامية . ( معجم البلدان 4 : 233 ، صبح الأعشى 4 : 125 ) .