محمد العامري الغزي

42

المطالع البدرية في المنازل الرومية

رآها أنها صخور محررة لولا ما تحتها من الحجارة المختصرة ، وقد كانت من غرر القلاع المشتهرة بالارتفاع والامتناع ، وهي الآن خراب مأوى للبوم والغراب ، ورأينا الحجر المعروف بحجر الحبلى ، وهو حجر مربع مستطيل ، عرضه كالصفّة العريضة وطوله كالحائط الطويل ، وهو خارج المدينة على نحو ثلث ميل ، وهو أحد حجارة بناء القلعة العجيبة ، وله عندهم حكاية من جنس ما تقدّم عن العين غريبة ، وسلّمنا على ولي الله تعالى الشيخ محمد المنير العطّار « 1 » ، وهو من عباد الله الصّلحاء الأخيار ، كثير الأوراد والأذكار ، ملازم للعبادة آناء الليل وأطراف النهار ، وقد كان ممن يتردد إلى سيّدي شيخ الإسلام الوالد ، وكان يسمّيه بالصّالح الزاهد ، وزرنا سيدي القطب العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله اليونينيّ من أسفل الجبل ، ثم عدنا إلى المخيم وقرص الشمس قد أفلت من يد السماء ، وأفل وارتحل ذلك النهار ، وحلّ للصائم [ 12 ب ] الإفطار ، ثم لمّا كفيت مؤنة العشاء ، ومضى نحو عشرين درجة بعد العشاء ، وآن للسامر أن يهجع ، أزمع القاضي على الرحيل وأجمع ، وكان ذلك برأي منه منكوس ، وحظ له متعوس ، فضلّ عن سواء السبيل ، وعن الطريق السهل القريب إلى طريق صعب طويل ، فضيّع وقت الراحة في التعب في غير طائل ، وصرف ساعة تجلّي الحقّ في السعي في الباطل « 2 » ، ولم نزل نصل السير بالسّرى ، ونكحل الأعين بإثمد « 3 » الثرى ، ونعزل عن محال العيون والي الكرى ، حتى وصلنا إلى قرية الرأس ، وقد تعبت البهائم والناس ، فنزلنا بها ضحوة نهار الجمعة ثاني عشرين الشهر ، وقد حمى النهار واشتدّ الحرّ ، في مكان محجر وعر ، موحش وغر ، معطش محر ، فيه مياه سخنة ، متغيرة اخبة ، يسيرة « 4 » قليلة ، ضعيفة عليلة ، فأقمنا هناك إلى وقت شدّة القيلولة ، ثم ارتحل عنها من تلك الساعة قاصدا قرية الزّراعة فلم نحل بها : [ من

--> ( 1 ) لم نهتد إلى ترجمته ولعله محمد المنير الواسطيّ المتوفى سنة 950 ه ( إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء 5 : 496 ) . ( 2 ) من عبارة : « برأي منه منكوس » إلى عبارة « السعي في الباطل » ساقط من ( ع ) . ( 3 ) إثمد وأثمد : حجر يكتحل به . ( 4 ) وردت في ( ع ) : « بشيرة » .