محمد العامري الغزي
246
المطالع البدرية في المنازل الرومية
نزل بذلك الحال حتى حلّ ذلك الوقت وحال ، ومضى يوم الجمعة بالتمام والكمال ، وتصرّمت بعده عدّة ليال ، فتزايد الكرب ، وذاب من نار الانتظار القلب ، وضني الجسد والفؤاد ، من خلف الميعاد بعد الميعاد ، فذكرنا « 1 » ذلك لقاضي البلد ، فأحضرهما وتوعد ، وأنكر عليهما وتهدد ، وبالغ في ذلك وشدّد ، وأبرق في إيعاده وأرعد ، فقالا : لا عذر لنا بعد اليوم ، ولا إنكار ولا لوم ، ويوم الثلاثاء من كل بدّ يركب القوم ، ويأخذ مركبنا في السير والعوم ، وحلفا على ذلك وعاهدا ، وبالغا في أيمانهما وعهودهما وأكدا ، [ 128 ب ] فحضرا يوم الثلاثاء يحثّان في المسير احتثاثا ، ويظهران أنهما لا يبديان للعهد انتكاثا ، وقالا : لم يوافق هذا النهار ريح موافق ولا رزكار « 2 » ، وبعد يومين تنصلح الرياح غاية الانصلاح ، ويحصل رزكار موات « 3 » للرواح ، وفي يوم السبتّ يكون السفر على البت ، فجاء السبت وانصرم ، واتقدّ جمر « 4 » القلب واضطرم ، ثم مضى يوم الأحد ولم يحضر منهما أحد ، فلمّا كان ضحى يوم الاثنين حضر أحد الاثنين واعتذر بما لن ينفعه ، عذرا ما كان أصقعه « 5 » ، وقال : نرسل في الغد صندلا « 6 » لنقل الأسباب والأمتعة ، فلم نصدقه من كثرة ما كذب ، وأقمنا جدّه مقام اللعب ، فلمّا انجلى « 7 » وجه الصباح وتهلل ، ظهر لنا من بعد ذلك الصندل « 8 » ، ففرحنا به فرحنا بالمواسم ، وانتظرنا وصوله للثغر وثغر كلّ منا باسم ، وما علمنا أنّ هذا الفرح يعقبه بؤس ، وهذا البشر بديله عبوس ، فأنزلنا فيه في تلك الساعة
--> ( 1 ) وردت في ( ع ) : « فذكر » . ( 2 ) رزكار وروزكار : كلمة تركية بمعنى ريح ورياح ، انظر : شمس الدين سامي : قاموس تركي ص 1317 . ( 3 ) وردت في الأصل : « موافق » وما أثبتناه من ( م ) و ( ع ) . ( 4 ) سقطت هذه الكلمة من الأصل . ( 5 ) وردت في ( ع ) : « أضعفه » . ( 6 ) الصندل : بمعنى زورق أو قارب صغير ، سمّي بهذا الاسم لأنّه كان يصنع من خشب الصندل . انظر : شمس الدين سامي : قاموس تركي ص 833 . ( 7 ) وردت في ( م ) و ( ع ) : « انحل » . ( 8 ) وردت في الأصل : « هذا » .