محمد العامري الغزي

131

المطالع البدرية في المنازل الرومية

واجتمعنا به بكرة الجمعة في بستانه بر « 1 » الغلطة ، فحصل منه غاية التعظيم ، ونهاية التبجيل والتكريم ، وتلقاني [ 68 أ ] إلى خارج الدار ، وهو مظهر للسرور والاستبشار ، فبادر كل منّا لصاحبه وسابق ، وصافح واستلم والتزم وعانق ، وحيّا بأطيب السلام ، ووانس بأعذب الكلام ، وسألني عن جماعة من أهل الشّام ، وترحّم وترضّى على سيّدي شيخ الإسلام ، وتألم لفراقه وتوجّع ، وحوقل لتلك المصيبة واسترجع « 2 » ثم قال : هو باق وسره ما فات ، فإن من خلّف مثلك ما مات ، فإنك نعم الخلف ، كما كان رحمه الله نعم السلف ، ونعتني بالعلم والفضل التام ، وشهّرني بذلك عند الخاص والعام « 3 » ، وسألني ابتداء منه فيما لنا من الحاجات والأشغال ، لتقضى بإذن الله تعالى على أكمل الأحوال ، والله تعالى هو المأمول « 4 » ، في المقاصد كلّها والمسؤول ، في قضاء الحاجات جلّها وقلّها ، وسألني عن محل النزول فقلت له الآن في عمارة السّلطان محمد ويريد مولانا السيّد أن ينزلنا عنده ؛ فقد أخلى لنا مكانا حسنا وأفرد ، فقال : [ 68 ب ] تقدّمنا السيّد وسبق ، وإلّا فنحن كنا بذلك أحق . وحصل منه من التواضع والرقة ما لا يعبر عنه ولم يصدر في حق أحد غيرنا منه . ولله تعالى الحمد أهل الثناء والمجد ، ثم اجتمعت به ببيته بالمدينة ثاني مرّة ، فبالغ في الإكرام والمبرّة ، وأظهر غاية البشر والمسرّة ، وأهديت له مهاداة الأحباب ، مصحفا معظّما بخطّ ابن البوّاب ، وبردة لطيفة ، وسبحة بلّور ظريفة ، فقابل ذلك بالإقبال والقبول والتقبيل ، وأنزل منزلة الكثير ذلك النزر القليل ، وقرأ في المصحف في أماكن عدّة ، ثم قرأ بعض أبيات من البردة ، وسألني عن معناها ، فأجبته بأجوبة ارتضاها ، وسألني : هل المعوذتان من القرآن قطعا أو هما من قبيل التعوّذ ؟ فقلت له :

--> ( 1 ) وردت في ( ع ) : « بين » ، والغلطة على ما ذكر ابن بطوطة هي القسم الثاني من القسطنطينيّة ، والقسم الأول يدعى اصطنبول يفصل بينهما نهر يسمى أبسمي ، والغلطة بالعدوة الغريبة من النهر وهو خاص بنصارى الإفرنج يسكنونه . انظر : تحفة النظّار 2 : 251 . ( 2 ) الحوقلة هي قول : « لا حول ولا قوّة إلّا بالله » ، والاسترجاع قول : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون » . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « العالم » . ( 4 ) وردت في ( ع ) مصحفة : « المأمور » .