محمد العامري الغزي
104
المطالع البدرية في المنازل الرومية
وصلنا ضحوة الأربعاء تاسع عشر الشهر للمدينة البيضاء ، وهي التي تسمى عندهم بآق شهر « 1 » ، وهي مدينة لطيفة ، حسنة ظريفة ، من أنزه المدن القرمانيّة وهي آخرها ، وألطف البلاد العثمانيّة وأخيرها ، مبيضة كسقيط الثلج ، مصطفّة كبيوت الشطرنج ، ذات مياه خصرة « 2 » ، وبساتين خضرة ، عظيمة المنازه ، كثيرة الغلات والفواكه ، يجلب منها الفاكهة إلى ما يحاذيها من البلاد [ 49 أ ] الرّوميّة حتى إلى المدينة العظمى القسطنطينيّة ، ويخترق أرجائها نهر سلسال ، كدمع المهجور إذا سال : [ من الطويل ] يظنّ به ذوب اللّجين « 3 » فإن بدت * له الشمس أجرت فوقه ذوب عسجد « 4 » وبها أسواق معمورة ، بالخيرات الموفورة مغمورة ، ومساجد عظيمة ، وحمّامات قديمة ، وعمارة بظاهرها بها مسجد للجمعة معظّم ، منسوبة لحسين باشا الوزير الأعظم ، وتكيّة ينزلها المسافرون ، ويحلّها المتفقهون القاطنون ، وليس لها سور ولا حصار معمور ، وهي من أرخا هذه البلاد لسعة رزقها ونزرة خلقها وكثرة مغلها وقلّة أهلها وكثافة غيطانها وخفة قطانها ، وبها على دون مرحلة بركة كبيرة ، بها بعض مراكب صغيرة ، يصاد بها منها السمك الكبار والصغار ، ويجلب إلى ما حولها من الأقطار ، فنزلنا بها بمصلّى العيد ، وهو منزل بديع غير بعيد ، قد راق فيه الماء ، ورقّ
--> ( 1 ) آق شهر : مدينة روميّة مشهورة ، تبعد عن قونية نحو ثلاثة أيام شمالا بغرب ، ذكر الرحالة المشهور بكبريت أنّ معناها القرية البيضاء ، كما مرّ بها الرحال الخياري وزار قبر الخواجا ناصر الدّين الملقب بجحا ، وتوسّع في ذكر خبره . انظر : رحلة الشتاء والصيف لكبريت ص 191 ، رحلة الخياري 1 : 217 ، صبح الأعشى 5 : 352 ، أخبار الدول 3 : 306 ، بلدان الخلافة الشرقية 184 ، قاموس الأعلام 1 : 266 . ( 2 ) وردت في ( ع ) : « حضره » . ( 3 ) اللّجين : الفضة . ( 4 ) هذا البيت مذكور في رفع الحجب المستورة 1 : 128 ، ومعاهد التنصيص 2 : 98 . منسوبا لأبي العلاء المعري .