محمد العامري الغزي
102
المطالع البدرية في المنازل الرومية
ليلة الأحد سادس عشر الشهر سروة فوصلنا مدينة قونية « 1 » ضحوة ، والشمس قد اكتسبت بعد ضعفها قوة ، وانجلت في حللها المذهبة أجمل جلوة ، وارتقت من أوجها ذروة ، وارتفعت عن مشرقها قدر غلوة ، ومن متن برجها صهوة ، وكست الأرض والجبال من روق ضيائها أحسن كسوة ، ومدينة قونية مدينة غرّاء وأرض خضراء ، ذات تربة زكية ، ونفحة ذكية ، ورياض أنيقة ، وأشجار نضرة وريقة ، ومحيا صبيح ، وترتيب مليح ، أسواقها مرضية ، وخاناتها فضيّة ، ومساجدها وضيّة ، وعيشتها رضية ، وزمانها ربيع ، وجنابها رفيع ، ونسيمها وان ، وجنانها دان ، وقاطنها بحبها [ 47 ب ] عان ، وليس لها في مزية الحسن بين البلاد القرمانيّة ثان ، وبها مساجد متعددة ، وعمارات متجددة ، وجامع عتيق ، ذو معهد أنيق ، وبناء وثيق ، ومقام رجل مشهور بالولاية يقال له ملا خنكار « 2 » ، يقام عنده وقت كل جمعة يضرب فيه بالدف والمزمار ، ويحيط بها سور عظيم ، ذو بناء قديم ، به شخوص وأشباح ، وجسوم تكاد تنطق لولا فقدها الأرواح ، وعلى بعض أبوابها « 3 » صورة إنسان ، متصلة أقدامه ببعض حجارة البنيان ، فهذا هو المنكر الذي لا نرضاه ولا حول ولا قوة إلّا بالله ، وهي الآن سرة بلاد « 4 » قرمان ، وقد كانت تخت الملك في قديم الزمان ، وقد انتشأ بها جماعة من الصّوفيّة ، ومن أئمة الفقهاء الشّافعيّة والحنفيّة ، ومنهم شيخ الإسلام فخر القضاة والحكام ( القاضي علاء الدّين وولده العلّامة محبّ الدّين وشيخ الصّوفيّة الإمام صدر الدّين ، أعاد الله تعالى من بركاتهم علينا وعلى المسلمين ) « 5 » ، [ 48 أ ] فنزلنا خارجها بمرج من تلك المروج ، به ربيع تمور به الريح وتموج ، وبعض غدران مياه
--> ( 1 ) قونية : من أعظم مدن الإسلام بالرّوم ، وهي كرسي بلاد قرمان ، وبها قبر أفلاطون الحكيم . انظر : معجم البلدان 4 : 415 ، أخبار الدول 3 : 441 ، صبح الأعشى 5 : 352 . ( 2 ) ملاخنكار : هو محمد بن محمد بن الحسين ، جلال الدّين الرومي ، فقيه حنفي ، ولد في بلخ ورحل إلى بغداد ثم إلى قونية وبها استقر ، توفي سنة 672 ه . ( أعلام الزركلي 7 : 30 ) . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « أنواعها » . ( 4 ) وردت في ( ع ) : « ببلاد » . ( 5 ) ما بين القوسين ساقط من ( م ) وفي ( ع ) ترك الناسخ مكانه بياضا .