حاجي محمد بيك خان
67
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا
وإذ لم يكن لي قط شغل يحدوني على مغادرة دبلن عزمت على السكنى بعض الزمان في هذه البلاد ، وإن خاطرت بكوني وحيدا بين الأجانب ، ولم أشعر بندم على ذلك ، والأشخاص الّذين يعرفونني لما رأوا أنّ الضابط « ريشاردسن » تركني وحيدا ، ضاعفوا العناية بأمري ، وأعترف أنّي منذ أن لم يكن لي بعد ذلك مترجم تقدّمت في تعلّم اللغة الإنكليزية تقدّما سريعا . ولما كانت غايتي من السفر إلى دبلن أن أقدم ما يجب عليّ من الاحترام إلى اللورد « كورنواليس » أبلغته بذلك بعيد وصولي واستأذنته في أن أزوره ، فأعربت لي سيادته عن سروره بأنّه يستطيع أن يراني غد ذلك اليوم ، ولقيت منه في الحقيقة أحب استقبال ، وهذا اللورد كلّف صاحب سرّه أن يريني عجائب المدينة ، وألزمني في الوقت نفسه أن أحضر لرؤيته غالبا في قصره ، وفي أثناء إقامتي بدبلن كنت أذهب إليه بغير انقطاع أقدم إليه ثنائي « 1 » كل أسبوع وفي كل مرة أرى منه أدلّة على الإقبال وحب الاتصال . وإنّي واصف لقراء رحلتي هذه المدينة ورأيي فيها وهي أجمل مدينة في الحقيقة رأيتها حتّى ذلك الوقت . دبلن على مسافة قريبة من البحر ومحيطها اثنا عشر ميلا ، وفيها منازل كثيرة مبنية بالحجارة ، وكأنّها لم يستعمل في بنائها ملاط من شدّة تلاحم الحجارة وتطابقها ، وأكثر الدور فيها مع ذلك مبنية من الآجر ، الملحم بالسمنت ، وهذا السمنت يشكل حول الآجرة حاشية صغيرة بيضاء ، ومنازل كل طريق على سمك واحد ، وهذا يضفي عليها في الظاهر ، استواء جدّ مقبول في العين ، ودواخل الدور مصبوغة بالبياض أو مزوقة بالألوان الأخرى ، ويرى الرائي في كل دار شبابيك ذات زجاج ، وكل الدور على التقريب لها أربع طبقات ، إحداهن تحت وجه الأرض وفيها المطابخ والمغاسل وأقبية الفحم والنبيذ وغيرها ، والطبقة السفلى مخصصة بالدكاكين ومجالس الطعام ، والطبقة الأولى هي المزخرفة زخرفة أنيقة جدا وفيها تستقبل الأصحاب ، والثانية فيها غرف النوم لسيد الدار وسيدتها ، والّذين يأتون لزيارتهما ثمّ الثالثة وهي الّتي تعلو شبابيكها على السطوح وسقوفها خفيضة جدا ، تستعمل لإسكان الخدم . إنّ سطوح الدور مغطاة بحجارة زرق ، سخيفة
--> ( 1 ) يعني الثناء عند الإطلاق « المدح » .