حاجي محمد بيك خان

50

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا

تثعب فيه المياه ، بحيث لا يمكن أبدا ، على التقريب ، أن يرى فيها طين حتّى في الشتاء . وجميع الطرق والدروب والشوارع مكنوفة بصفين من الأشجار ، الّتي تظل ظلا وارفا أي ذات الظل الوارف ، وأمام كل دار مصاطب من الحجارة سمكها أي ارتفاعها قدمان يجلس عليها السكان ، ليدّخنوا بسبلهم في أماسي الصيف ، وهذه العادة الّتي أحسبها خاصة بالهولنديين عادة حسنة . وعدّة دور من المدينة مؤثثة بظرافة وفيها مرايا ومناضد ومناور « 1 » وشمعدانات وأكثر هذه من الفضة ، وجدران البيوت والحجر والغرف مزينة بورق ملون بمختلف الألوان والشبابيك عليها ستور نفيسة من أقمشة الهند أو من القطيفة ، وفذلكة القول إنّ بهاء هذه المدينة أنساني حاقّ الإنساء ذكرى بهاء كلكتا الّذي كنت أحسب حتّى هذا اليوم أنّه أعلى من بهاء جميع المدن الّتي بين بلاد الهند وأوروبا ، ثمّ تغير حسباني بالنسبة إلى مدينة الكاب وأستطيع أن أقول متحققا أنّي منذ أوّل يوم من فصولي حتّى وصولي إلى إنكلترا كنت أرى تزايد البهاء والنفاسة في الأشياء فكل مدينة أبلغها أراها أجمل من الّتي غادرتها . وكان الأمر بالضد حين رجعت إلى بلاد الهند ، وعلى هذا ظهر لي بعد إقامة طويلة في لندن ثمّ زيارتي باريس أنّ هذه المدينة الأخيرة هي دون الأولى كمالا من غير شك ، أجل فيها آثار أجمل من آثار لندن ، ولكنّها أقل تنظيما ونظافة واستنارة باللّيل ، والميادين العامّة والحدائق أقل عددا فظننت أنّي هويت من الجنّة إلى النّار « 2 » ، ولم أشعر بجميع جمال عاصمة فرنسا إلّا عندما كنت في إيطاليا ، فمدن إيطاليا ، على حسب رتبتها في الذكر ، ظهرت لي جميلة بالمقابلة بينها وبين القسطنطينية ، وظهرت لي هذه الأخيرة جنّة الأرض حينما تذكرت بغداد والمدن الأخرى من وطن أهل العقائد الصحيحة « 3 » ، وفي قرابة وسط الكاب ميدان جميل دوره ميلان وفيه يتدرب الجنود ، ويكنفه من الجانبين

--> خطأ من حيث الاصطلاح ، لأنّ القدامى من العرب سموه بالمثعب والمثاعب ولأنّ المجرى عام لكل ماء . ( م ) . ( 1 ) المناور هو جمع المنوار . ( 2 ) قلنا : لا شك في أنّ حب الرحالة للإنكليز ساهم في تعظيمه جمال لندن . ( المترجم ) . ( 3 ) يعني المسلمين عامّة .