حاجي محمد بيك خان
42
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا
ثقالته إنكليزي ضخم البدن جدا ، ولم يكن يفصل حجرته عن حجرتي إلا نسيج من الخيش « الجنفاص » ، فآذاني أذى فظيعا ، وقد طالما أغضبني هذا الإنكليزي لأنّي كلّما رفعت صوتي بعض الرفع أو أقله في حجرتي عرضا صرخ هذا الرجل الساذج قائلا : والآن إذن ألا تدعني أنام حينا ما ؟ . وطوال الإعصار البحري كنا نقاسي نصبا في إعدادنا طعامنا ، فكنا مجبرين على أن نأكل ونحن مضطجعو الأجسام ، ومن زيادة الشقاء أن السفينة دخل فيها من ماء الموج ليل نهار ما أوجب استعمال المضخات باستمرار ، وقد رعب هذا العارض ركاب السفينة أشد الرعب أمّا أنا فقد كنت نصبا تعبا من الحياة ، أرى جميع هذه الأمور بغير مبالاة « 1 » . وباليوم الرابع والعشرين من أيار من السنة المذكورة تبيّنا بعض القارة الإفريقية على نحو من مائتي ميل من شمال رأس « بون أسبرانس » المذكور آنفا ولم يكن قط أن نرسي السفينة فيه بعض الزمن ، ومع ذلك فرؤيتي تلك الأرض أذرت الدموع من عينيّ ، وشاهدنا على طول الساحل مخلوقات بحرية بشيعة وعدّة من الحيتان « 2 » المعروفة باسم البال كانت تقترب جدا من السفينة ، بحيث نراها بجهرة ، والواحدة منها أكبر من الفيل الضخم أربع مرّات ، وهي تدفق ماء البحر من مناخرها الواسعة في سمك خمس عشرة مخصرة ، وإذ كانت هذه الحيتان الثدوية ، لا بدّ لها أن تطفو غالبا لتتنفّس سهلت رؤيتها على الرائي ، والأوروبيون يقتلونها ويستخرجون دهنها وشحومها البيض ويتخذون منها تجارة عظيمة . كان الوقت رهيبا في بقية الشهر فنحن لم نر الشّمس ولا الكواكب عدّة ليال وعدّة نهر « 3 » ، وكان الموج يتكسر باستمرار بمشاكي سياجها بعد سدها ، وكنا مجبرين أيضا إمّا على أن ننغمس في ظلام دائم وإمّا على أن نوقد ليل نهار من الشمع ، لقد بدأ الشمع يعوزنا ، كنا إذن مكفنين بالظلمات كالجثث في قعر
--> ( 1 ) ستحلو للرحالة الحياة ، كما سيأتي بقلمه في رحلته ويرى الحياة أحلى من سكر النبات خصوصا بين الفتيات . ( المترجم ) . ( 2 ) الحيتان جمع الحوت . ( 3 ) النهر جمع نهار .