حاجي محمد بيك خان

16

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا

الدولة مات بعد زمن قليل ، ولم تترك لجون شور الاضطرابات الّتي حدثت بوفاته وقتا للتفكير في شأن أبي طالب قبل أن يسافر إلى أوروبا . إن السنوات الثلاث الّتي سلخها أبو طالب في كلكتا قد تركه فيها جميع أصدقائه وأتباعه ، وزاده غما ترك خدام أبيه القدامى إيّاه ، فرأى نفسه في حال تستحق الترثي وإذ ذاك زاره صديقه الاشتيام « 1 » « داود ريشاردسن » ولكونه يحسن الفارسية والهندية حادثه في أمور مختلفة وأعلمه أنه قد نوى الرجوع إلى أوروبا ، آملا أن يعيد إليه صحته هواء بلاده الأصلية ، فإن صحته أخذت تتردى يوما بعد يوم ، وأنه سيعود إلى كلكتا بعد ثلاث سنوات ، وقال لأبي طالب : « أنت في عطالة الآن فأصحبني في هذه الرحلة فتغيير المجال ورؤية العجائب والغرائب الّتي في أوروبا تنفي عنك هذه السوداء الّتي أرهقتك وسأحاول تعليمك اللغة الإنكليزية في أثناء السفرة البحرية هذه وأقضي جميع حاجاتك » . وبعد أن فكر أبو طالب في هذا الأمر بعض الوقت رأى أن الرحلة طويلة وخطرة جدا ، ومع ذلك فقد اعتزم السفر فلعلّه يرى حادثا ينهي حياته وآلامه معها ، ولم يفرط في الوقت بل ذهب في غد ذلك اليوم واستأجر موضعا للسفر في السفينة شارلوت إحدى سفن شركة الهند إلا أن سوء الحظ أدّى إلى احتراق هذه السفينة بعد أيّام قليلة ، ومع ذلك فقد كان مصمما على السفر ، فأبحر من غير تلبّث على السفينة « كرستيانا » واشتيامها يسمّى نيتلمان وكانت على عزم الإقلاع إلى الدانمارك . هذا ما ذكره أبو طالب من سيرة نفسه في أوّل كتاب رحلته بالتحرير والتحبير ، وقد ظهر للقارئ أنه لم يذكر سنة ميلاده وإنما استنتجناها من كلامه ، ولا ذكر المدرسة الّتي درس فيها ، ولا المدرسين الّذين درّسوه ، ولا العلوم والفنون الّتي درسها ، بله إن الإنسان إذا ذكر سيرة نفسه وكتبها بقلمه كانت عرضة للنقد والتحقيق أكثر منها لو كتبها غيره من غير المعروفين بمعاداته ، وبان من هذا الجزء من سيرته أنه كان عالما بأمور الحساب والجباية ، وقاد جيشا لمحاربة راجا ثائر وأخضعه ، وأنه كان يلتجيء

--> ( 1 ) الاشتيام ربان السفينة ، وقد وردت في شعر البحتري وغيره . ( م ) .