ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
57
المسالك والممالك ( ط مصر )
وذكر بعض أهل الأخبار أن أنهار البصرة عدّت أيام بلال بن أبي بردة فزادت على مائة ألف نهر وعشرين ألف نهر ، تجرى فيها الزواريق ، وقد كنت أنكر ما ذكر من عدد هذه الأنهار في أيام بلال بن أبي بردة ، حتى رأيت كثيرا من تلك البقاع ، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عددا من الأنهار صغارا ، تجرى في كلها زواريق صغار ، ولكل نهر اسم ينسب به إلى صاحبه الذي احتفره ، أو إلى الناحية التي يصب فيها ، وأشباه ذلك من الأسامى ، فجوّزت أن يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها ، وأكثر أبنيتها بالآجر ، وهي من بين سائر العراق مدينة عشريّة ، ولها نخيل متصلة من عبدسى إلى عبّادان نيف وخمسون فرسخا متصلا ، لا يكون الإنسان منه في مكان إلا وهو « 1 » في نهر ونخيل ، أو يكون بحيث يراهما ، وهي في مستوى لا جبال فيه ، ولا بحيث يقع البصر على جبال ، وبها قبر طلحة بن عبيد اللّه من الصحابة في المدينة ، وخارج المربد في البادية قبر أنس بن مالك والحسن البصري وابن سيرين والمشاهير من علماء البصرة وزهّادها ، ولها نهر يعرف بنهر الأبلّة طوله أربعة فراسخ ما بين البصرة والأبلّة ، وعلى حافتي هذا النهر قصور وبساتين متصلة ، كأنها بستان واحد قد مدّت على خيط واحد ، وتتشعب هذه الأنهار إلى أنهار كثيرة ، فمنها ما يقارب هذا النهر في الكبر ، كأنّ نخيلها غرست على خيط واحد ، وهذه الأنهار كلها منخرقة « 2 » بعضها إلى بعض ، وكذلك عامة أنهار البصرة ، حتى إذا جاءهم مدّ البحر تراجع الماء في كل نهر ، حتى يدخل نخيلهم وحيطانهم وجميع أنهارهم من غير تكلف ، فإذا جزر الماء انحط حتى تخلو منه البساتين والنخيل ويبقى في الأنهار ، إلا أن الغالب على مائهم الملوحة ، وإنما يستقون إذا جزر الماء إلى حدّ نهر معقل ، ثم يعذب فلا يضره ماء البحر ، والأبلّة على هذا النهر « 3 » ، وعلى ركن الأبلة في نهرها « 4 » خور عظيم الخطر ، وربما سلمت السفن من سائر الأماكن في البحر وغرقت في هذا الخور ، يعرف بخور الأبلّة ، والأبلة مدينة صغيرة خصبة عامرة ، حدّ لها نهر الأبلة إلى البصرة ، وحدّ لها دجلة - التي يتشعب منها هذا النهر - عاطفا عليها ، وينتهى عمودها إلى البحر بعبّادان ، وللبصرة مدن : فأمّا عبّادان والأبلّة والمفتح والمذار فعلى شط دجلة ، وهي مدن صغار متقاربة في الكبر عامرة ، إلا الأبلة فإنها أكبرها ، وفي حدود البصرة بين أضعاف قراها آجام كثيرة وبطائح ، أكثرها يسار فيها بالمرادى « 5 » ، قريبة القعر كأنها كانت على قديم الأيام أرضا مكشوفة ، ويشبه أن يكون لما بنيت البصرة وشقّت الأنهار ، واتصل بعضها ببعض في القرى والمجارى « 6 » ، تراجعت المياه وغلبت
--> ( 1 ) في م : بحيث والتصحيح عن ا . ( 2 ) في م : مخترقة ، وفي ا : قريبة والتصحيح عن ابن حوقل ص 160 ليدن . ( 3 ) في م : البحر والتصحيح عن ا . ( 4 ) في م : نهر الأبلة والتصحيح عن ا . ( 5 ) في م : المدارى والتصويب عن ا . ( 6 ) في ا وانشقاق بعضها إلى بعض في القرى والمجارى . والعبارة في ابن حوقل ص 162 ليدن مكتوبة أيضا بتصرف وليست نقلا عن الاصطخري كما هو الغالب .