ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
19
المسالك والممالك ( ط مصر )
إلى بحر الخزر ، وليس لهذا المصر كثير رساتيق ولا سعة ملك ، وهو بلد بين بحر الخزر والسرير والروس والغزيّة ؛ وأما التبّت فإنها بين أرض الصين والهند وأرض الخزلجيّة والتغزغز وبحر فارس وبعضها في مملكة الهند ، وبعضها في مملكة الصين ، ولهم ملك قائم بنفسه ، يقال إن أصله من التبابعة واللّه أعلم . وأما جنوبي الأرض من بلاد السودان فإن بلد السودان الذي في أقصى المغرب على البحر المحيط بلد مكنّف ، ليس بينه وبين شئ من الممالك اتصال ، غير أن حدا له ينتهى إلى البحر المحيط ، وحدا له إلى برّية بينه وبين أرض المغرب ، وحدا له إلى برية بينه وبين أرض مصر على ظهر الواحات ، وحدا له ينتهى إلى أن البرّية التي قلنا إنّه لا يثبت فيها عمارة لشدة الحر ؛ وبلغني أن طول أرضهم نحو من سبعمائة فرسخ في نحوها ، غير أنها من البحر إلى ظهر الواحات أطول من عرضها ؛ وأما أرض النوبة فإنّ حدا لها ينتهى إلى أرض مصر ، وحدا لها إلى هذه البريّة التي بين أرض السودان ومصر ، وحدا لها إلى أرض البجة ، وبرارى بينها وبين القلزم ، وحدا لها إلى هذه البريّة التي لا تسلك ؛ وأما أرض البجة فإن ديارهم صغيرة ، وهي ما بين الحبشة والنوبة ، وهذه البرية التي لا تسلك ؛ وأما الحبشة فإنها على بحر القلزم ، وهو بحر فارس ، فينتهى حدّ لها إلى بلاد الزنج ، وحدّ لها إلى البرية التي بين النوبة وبحر القلزم ، وحدّ لها إلى البجة والبرية التي لا تسلك ؛ وأما أرض الزنج فإنّها أطول من أرض السودان ، ولا تتصل بمملكة غير الحبشة ، وهي بحذاء اليمن وفارس وكرمان إلى أن تحاذى أرض الهند ؛ وأما أرض الهند فإنّ طولها من عمل مكران في أرض المنصورة والبدهة وسائر بلد السند إلى أن تنتهى إلى قنّوج ، ثم تجوزه إلى أرض التبّت نحو من أربعة أشهر ، وعرضها من بحر فارس على أرض قنوج نحو ثلاثة أشهر ؛ وأما مملكة الإسلام فإنّ طولها من حدّ فرغانة حتى تقطع خراسان والجبال والعراق وديار العرب إلى سواحل اليمن نحو من خمسة أشهر ، وعرضها من بلد الروم حتى تقطع الشام والجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة على شط بحر فارس نحو من أربعة أشهر ، وإنما تركنا أن نذكر في طول الإسلام حدّ المغرب إلى الأندلس ، لأنها مثل الكم في الثوب ، وليس في شرقي المغرب ولا في غربيها إسلام ، لأنّك إذا جاوزت مصر في أرض المغرب كان جنوبىّ المغرب بلاد السودان ، وشمالىّ المغرب بحر الروم ثم أرض الروم ، ولو صلح أن يجعل طول الإسلام من فرغانة إلى أرض الأندلس لكان مسيرة ثلاثمائة وعشر مراحل لأن من أقصى فرغانة إلى وادى بلخ نيّفا وعشرين مرحلة ، ومن وادى بلخ إلى العراق نحوا من ستين مرحلة ، ومن العراق إلى مصر نحوا من خمسين مرحلة ، وقد بيّنا في مسافات المغرب أن من مصر إلى أقصاه مائة وثمانين مرحلة ، وقصدت في كتابي هذا تفصيل بلاد الإسلام إقليما إقليما حتى يعرف موقع كل إقليم من مكانه ، وما يجاوره من سائر الأقاليم ، ولم تتسع هذه الصورة التي جمعت سائر الأقاليم لما يستحقه كل إقليم في صورته ، من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث وما يكون عليه أشكالها ، غير أنّا بيّنا لكل إقليم مكانا يعرف به موضعه ، وما يجاوره من سائر الأقاليم ، ثم أفردنا لكل إقليم منها صورة على حدة ، فبيّنا فيها شكل ذلك الإقليم ، وما يقع فيه من المدن ، وسائر ما يحتاج إلى علمه ، مما نأتى على ذكره في موضعه إن شاء اللّه .